القس د. جرجس عوض يكتب :
«مأساة أسرة التجمع»… صرخة فى ضمير المجتمع
تستوقفنا الفواجع الكبرى، مرةً بالقتل، ومرةً بالنصب وانتحال الشخصيات، ومرةً بأحداث غامضة تزلزل وجدان الناس؛ لا لتثير في النفوس الخوف والذهول فحسب، بل لتضع المجتمع بأكمله أمام مرآة قاسية، نسأل فيها أنفسنا: أين ذهب الأمان؟وكيف تراجعت قيمة الإنسان؟ولماذا أصبح بعض الناس قادرين على إيذاء الآخرين؟ فهل حياة البشر فقدت حرمتها؟
إن الرحيل المفجع للأسرة التي عُرفت إعلاميًا بـ«أسرة التجمع» — الأب أسامة نصيف، والأم أمل سعد، والابنتان هيلين وليليان — في ملابسات مؤلمة ، يمثل مأساة إنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد خبر عابر على شاشات الهواتف، ولا إلى مادة للتكهنات والتعليقات، بل يجب أن تكون صرخة في ضمير المجتمع كله.
لقد فقدت أسرة كاملة حياتها، تاركة وراءها أسئلة موجعة وحزنًا لا يمكن للكلمات أن تصفه. وفي مثل هذه اللحظات، تتوارى الكلمات أمام هول الفاجعة، ولا يبقى أمامنا سوى الدعاء للضحايا، ومواساة ذويهم، وانتظار الحقيقة كاملة من الجهات المختصة.
لكن المآسي الكبرى لا ينبغي أن تعلمنا الحزن فقط؛ بل ينبغي أن تعلمنا كيف نحمي الإنسان قبل أن تقع الكارثة.
أولًا: احترام الحقيقة ودعم سيادة القانون
من واجبنا جميعًا أن نثق في جهات التحقيق والمؤسسات القضائية، وأن ننتظر نتائج التحقيقات الرسمية بعيدًا عن الاستنتاجات المسبقة أو توجيه الاتهامات إلى أشخاص لم تثبت إدانتهم.
فالعدالة لا تقوم على الشائعات، وإنما على الأدلة، ولا تتحقق بالصوت الأعلى على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بالحقيقة التي تثبتها التحقيقات والقانون.
إن احترام الضحايا يبدأ أيضًا باحترام الحقيقة.
ثانيًا: التوقف عن صناعة الشائعات فى
وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في لحظات ، ويمكن أن تتحول المأساة إلى ساحة للتخمين والاتهام والتشهير.
ولذلك فإن تداول الصور والتفاصيل الخاصة، أو اختلاق سيناريوهات لم تثبت صحتها، لا يخدم الحقيقة، بل قد يزيد ألم الأسرة ويفتح أبوابًا جديدة للظلم.
ليس كل ما نعرفه يجب أن ننشره، وليس كل ما نسمعه يجب أن نصدقه.
وفي المآسي الإنسانية، يصبح الصمت أحيانًا أكثر أخلاقية من الكلام.
ثالثًا: إعادة بناء ثقافة التكافل
المجتمع الآمن ليس هو المجتمع الذي يخلو من المشكلات، وإنما هو المجتمع الذي لا يترك الإنسان وحيدًا في مواجهة أزماته.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة السؤال عن الآخر، والاهتمام به، والاقتراب منه، ومساندته عندما يتغير سلوكه أو يمر بأزمة أو يعيش ضغوطًا قاسية.
فالأسرة ليست مجرد أفراد يعيشون تحت سقف واحد، والمجتمع ليس مجرد جيران وأصدقاء وزملاء؛ بل هو شبكة من العلاقات الإنسانية التي ينبغي أن يكون فيها الإنسان سندًا للإنسان.
رابعًا: الاهتمام بالصحة النفسية والاجتماعية
لا ينبغي أن ننظر إلى الأزمات النفسية والاجتماعية باعتبارها عيبًا أو وصمة، بل باعتبارها أمورًا تحتاج إلى الوعي والمساندة والمساعدة المتخصصة عند الضرورة.
إن نشر ثقافة الدعم النفسي، وتشجيع الإنسان على طلب المساعدة عندما يحتاج إليها، وفتح قنوات آمنة للتعبير عن الألم والغضب والخوف، يمكن أن يسهم في حماية أفراد وأسر من الوصول إلى مراحل خطرة.
خامسًا: استعادة قيمة الإنسان
المشكلة الأعمق ليست فقط في الجريمة حين تقع، وإنما في كل ثقافة تُضعف قيمة الإنسان في أعين الإنسان.
حين تسقط الرحمة، تصبح الكراهية أسهل.
وحين يغيب الضمير، يصبح الآخر مجرد رقم.
وحين تتحول العلاقات الإنسانية إلى مصالح ومكاسب وصراعات، يصبح الإنسان أكثر عرضة لأن يُستغل أو يُهان أو يُؤذى.
ولهذا فإن حماية المجتمع لا تبدأ فقط من أجهزة الأمن والقانون، وإنما تبدأ أيضًا من الأسرة، والمدرسة، والكنيسة، والمسجد، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وكل مكان تُبنى فيه شخصية الإنسان ووعيه وضميره.
صرخة إلى كل إنسان
إن موت أسرة كاملة ليس مجرد مأساة تخص أسرة واحدة، بل نداء إلى كل إنسان كي يرعى من حوله بالحب والاهتمام والسؤال والتفقد.
قد تكون كلمة طيبة سببًا في إنقاذ إنسان من اليأس، وقد يكون سؤال بسيط مثل: «هل أنت بخير؟» بابًا لإنسان يحتاج إلى من يسمعه، وقد تكون يد تمتد بالمساندة أقوى من ألف خطاب.
إن الحياة هبة من الله، والإنسان ليس رقمًا ولا سلعة ولا وسيلة لتحقيق غاية.
والقتل من أفظع الجرائم التي يمكن أن يرتكبها الإنسان؛ لأنه اعتداء على أقدس ما وهبه الله للإنسان: حقه في الحياة.
فطوبى للقلوب التي تختار الرحمة بدلًا من القسوة، والمحبة بدلًا من الكراهية، والسلام بدلًا من العنف.
وتبًّا لكل نفس تحمل سيف الكراهية والبغضاء، ولكل يد تمتد بالأذى إلى إنسان لمجرد أنه إنسان.
إننا أمام مأساة تحتاج إلى حقيقة وعدالة ورحمة؛ حقيقة تكشف ما حدث، وعدالة تحاسب من تثبت مسؤوليته، ورحمة تحتضن من بقي يحمل هذا الألم في قلبه.
نصلي من أجل ومن أجل أن يمنح الله ذويهم وأحباءهم الصبر والتعزية والقوة، وأن تنكشف الحقيقة كاملة، وأن يأخذ العدل مجراه.
ولعل هذه المأساة تكون جرس إنذار لنا جميعًا:
أن نحافظ على الإنسان قبل أن نفقده، وأن نسأل عن بعضنا قبل أن يصبح السؤال متأخرًا، وأن نزرع الرحمة قبل أن تحصد الكراهية أرواحًا جديدة.








