مقالات
أخر الأخبار

الكاتبة الصحفية منال فؤاد تكتب : ​أَعْطِنِي حُرِّيَّتِي…

تراودني أحياناً رغبة في أن أكتب باسم مستعار مقالاً قاسياً عن نفسي.

​فأشد أنواع الحروب ضراوة هي التي تدور في المسافة الفاصلة بين نظرتين متضادتين، كلتاهما لهما نفس التأثير، بل منتهى التأثير: الحب أم الحرية؟
​فكلنا نحمل عبئاً صغيراً في داخلنا اسمه الخوف. بعضنا يروضه، وبعضنا يعبده، بل يقدم سعادته قرباناً له.
وحين يصبح الشيء الوحيد الذي يعطلك عن أن تهيم في الحب هو خوفك من فقدان حريتك، فأنت لا تحمي حريتك بقدر ما تحمي تعلقك بخوفك.
​وفرط التعلق بالحرية يقود إلى العزلة، والعزلة المتراكمة تنمو وتتسع، ويصبح من الصعب جداً التخلص منها.
”
الحقيقة أيضاً أن الحب بلا حرية ممكن أن يصبح أخطر من الكراهية.

​وهنا أتوقف أمام سؤال:
لماذا يخاف بعض الناضجين سيرة الحب؟
​فهم ليسوا صغاراً لم يعرفوا الحياة، ولا غرباء عن تجاربها. رأوا ما يكفي، وخسروا ما يكفي، ويحملون جروحهم كأوسمة.
وكلما شعروا بوخزة حب، تراجعوا خطوة..
كأن القلب حين يفتح أبوابه يطلق العقل صفارات الإنذار: حريتي في خطر!
​وتدأ التنبيهات.. لا تتدخل كثيراً.. لا تمنح أحداً مفاتيحك.. لا تسمح لإنسان أن يصبح ضرورياً في حياتك..
ثم يتحول الخوف إلى عقيدة حياة.
​ويبدأ الإنسان في إقناع نفسه بأنه أكثر حرية حين لا ينتمي إلى أحد؛
يشعرون بالاكتفاء تماماً، يكتفون بصاحب طيّب، أو بكوب قهوة، مكتفين بمشاغل حياتهم ويقولون إن فكرة الحب لا تناسبهم، وأن العلاقات العابرة بعدد فصول السنة أكثر أماناً، والقرب اللحظي خفيف، وكل شيء قابل للرحيل.
​وهذا بالضبط ما يريده الخائف من الحب.. يبحث عن باب يستطيع أن يخرج منه دون أن يشعر أنه فقد جزءاً من نفسه..

​ولكن ماذا لو تحولت الحرية بهذا المفهوم الزائف إلى وحدة طويلة؟ وفقد الإنسان نفسه؟
هنا يصبح الأمر أكثر قسوة.
​فالحقيقة أن الحب والحرية توأما حياة.
بعضنا لم يفرق بين أن تتقاسم وقتاً مع آخر أو أن روحاً تسكن فيك .تحبك في عاديتك، في صمتك، وفي تلك التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد..
​إن من عطايا القدر أن يمن علينا بإنسان
لا تركد معه الروح !! يتقبل نمط أفكارنا والطريقة التي نرى بها العالم بحب نابع من وعي بقيمة الاختلاف.
ليس مجرد انسجام، بل إنسان يدرك بتقدير حقيقي طريقة عمل عقلك، يحترم أفكارك رغم غرابتها، وينبهر بالطريقة الاستثنائية التي تصوغ بها رؤيتك.
إنسان لا تفكر في تنقية كلماتك أو إخفاء مراوغاتك في حضوره؛ وتشعر في حضرته بأن لأفكارك مكاناً، وأنها مفهومة دون أحكام أو نفور أو قيود.
​إنه ليس حباً تقوده عاطفة جامحة، بل ترابط عميق مع جوهر ما أنت عليه.

​فالحرية ليست أن تكون دائماً الهارب،
وإنما أن تكون مع إنسان دون أن تفقد نفسك.
وأن تمتلك إرادة البقاء وإرادة الرحيل معاً.
وأن تمنح دون أن تلغي نفسك.
وأن تأخذ دون أن تمتلك.
وأن تترك للآخر مساحته دون أن تشعر أن المساحة تهديد.

​فيا من عانق الحرية الزائفة وترك الوسادة خالية..!
حريتك لا تحتاج سياجاً من الخوف يحميها ولا رداءً من العزلة يقويها، بل تحتاج أن تمارسها وتختبرها.
​فمن قال إن الحرية تعني ألا يكون لأحد مكان في حياتنا؟ أو أن وجود إنسان نحبه يعني أننا فقدنا أنفسنا؟
​الحرية هي أن تظل قادراً على الرحيل… ثم تختار أن تبقى.

​​لَنْ يَجِفَّ حِبْرُ رِوَايَتِكَ بَعْدُ..
فَمَا زَلْتَ تَمْتَلِكُ خِيَارَ تَبْدِيلِ مَسَارِهَا.
فَقَطْ تَذَكَّرْ ضَحِكَتِي وَكَلِمَاتِي..
أَعْلِنِ الْوَلَاءَ..
أَوْ الْعَنْ شَقَاوَتِي!

​

زر الذهاب إلى الأعلى