شعر و أدب

الكنز المعرفي في قصيدة عائشة تيمور / زيد الطهراوي 

الكنز المعرفي في قصيدة عائشة تيمور / زيد الطهراوي 

الكنز المعرفي في قصيدة عائشة تيمور / زيد الطهراوي

 

الدموع المنهمرة من أعماق العيون هي بحور من دم و من حق العين أن تذرف هذه الدموع الدموية هذا ما بدأت به عائشة التيمورية قصيدتها في رثاء ابنتها توحيدة و هي تقر بأن ( لكل قلب لوعة و ثبور ) فالإنسان معرض للحزن و الهلاك

و هي بهذا تطمئنُّ للحقيقة التي تريح القلب فبداية القصيدة تحمل فكرة حزينة و لكن هذه الفكرة تبين حقيقة الدنيا و هي أنها مليئة بالحزن و هلاك المرء فيها حتمي

 

لقد كانت ابنتها كالشمس للدنيا فذهبت الشمس إلى القبر و هذا ما يصنعه الغياب فحياة الشاعرة بعد غياب ابنتها ظلمة لا تمحوها الشمس الحقيقية في النهار و نار لا تطفئها الأنهار ( سُتر السنا و تحجبت شمس الضحى )

و كانت تتمنى أن يكون هناك إنذار قبل غياب الحبيب و لكنَّ الغيب لا يعلمه إلا الله و الاستعداد للموت أمر حتمي في كل حين

و هاهي مأساة قيس الذي فقد عقله بسبب الغياب تظهر جلياً في الساحة حين تعلن الشاعرة أن مصابه هو ذرَّة أمام جبل مصيبتها و هي بذلك تنبهنا إلى روعة الوفاء و قوة العلاقة بين الفتاة و والدتها في دلالة صريحة على رسوخ الأسرة في المجتمع الإسلامي و تعمق الحب بين أفرادها

و هذا الفقد حصل في شهر رمضان المبارك في وقت السحر و هو الوقت الذي يتناول فيه الصائمون وجبة السحور و رمضان هو شهر الخيرات و البركات و الرحمة و المغفرة و في هذا الشهر العظيم دارَ الموت و كأنه كاسات فشربت منها ابنتها فذبلت الزهور بأناقتها و نضارتها و ما كانت الزهور إلا هذه الفتاة

و الشاعرة تذكر أن الفتاة لبست ثياب السقم و هي صورة فنية مؤثرة و ربما كان الطبيب واثقاً من نفسه أو أنه يحاول أن يظهر هكذا ليؤثر تأثيراً إيجابياً على المريضة فوصف نفسه بأنه الطبيب العبقري الذي يعالج كل الأمراض بعلمه الغزير و خبرته الطويلة و بشر بالشفاء لتؤثر ثقته المتزايدة على الفتاة و يمنحها الاستبشار بالشفاء طاقة فتشعر بالأمل فتنهض من مرضها بقوة النفس و عظم الرغبة في الشفاء

و لكن النتائج جاءت عكسية فماتت الفتاة فإذا بالأم تصف الطبيب بأنه مغرور و لكن الحادثة كلها تؤكد على ان الأمور كلها بيد الله سبحانه و تعالى و أن الأسباب و إن كان الواجب أن نأخذ بها فإنها تحت مشيئة الله يتصرف فيها بحكمته

و بعد أن يئست الفتاة من جهود الطبيب المادية و المعنوية – و هنا إشارة واضحة بأن الله وحده هو الشافي – التفتت إلى أمها معلنة أنها استسلمت لأمر الله فقدره لا يُرد و الفراق صعب و لكن لا بد منه و حزنت على فستان عرسها الذي كانت ستزف به إلى زوجها قبل مجيء المرض ثم ألحَّت الفتاة على أمها أن تؤنس وحدتها فتمكث عند قبرها بقدر استطاعتها صامدة صابرة أمام المصائب فالصبر ضياء

و في تشبيه القبر بالروضة تنبيه إلى أن الفتاة تأمل ان يكون قبرها روضة من رياض الجنة و من المعروف أن الأبناء يتعاهدون آباءهم و أمهاتهم بالدعاء و زيارة القبر

و الآباء و الأمهات يرجون ان يهتم الابناء بهم بعد وفاتهم بالدعاء و الزيارة و في هذه القصيدة ترجو الفتاة بإصرار و تذكير بحق الابناء على الأمهات – و كأنَّ المسؤوليات قد تبدلت – أن تتعاهد الأم قبر ابنتها بالدعاء و الزيارة

و تعد الأم ابنتها أن تستمر بالدعاء لها و تلاوة القرآن الكريم و وهب ثواب التلاوة لها لتعبر عن الحرص على سعادتها في القبر و الآخرة و تعدها كذلك بأن تستمر في الحزن الذي يعكس الوفاء المستمر

و المؤمنون يلتقون في الجنة و هذا هو الذي يصبر الشاعرة و يثبتها فهي مؤمنة و قد فارقت ابنتها في الدنيا فترجو أن يجمعها الله بابنتها في جنته فهي راضية مستسلمة لله و ستستمر في الحزن الذي لا تستطيع أن تمنع نفسها من الاستمرار فيه فهو وفاء و دليل على المحبة

إن قلبها راض و جفنها باك و لسانها شاكر و خالقها سبحانه و تعالى غفور فهي مطمئنة على كل حال

 

ان الجنة فيها ما تشتهي الأنفس و تقر به الأعين فيها القصور و الغرف و الحدائق ذات البهجة و هي دار السلام ؛ السلام من الأذى و الحزن و العنف و الآلام و هذه الدنيا فانية و الحياة الخالدة هي في الدار الآخرة في جنة الرحمن و ترجو الشاعرة قبل أن تختم قصيدتها المؤثرة أن تكون ابنتها في الجنة مع الحور العين ليكون هذا أعظم تعويض عن عرسها الذي لم يتم في الدنيا

.

زر الذهاب إلى الأعلى