الوساطة المصرية في أزمة اليمن:
من حماية الأشقاء إلى هندسة السلام الاستراتيجي بين السعودية والحوثيين
بقلم: أشرف عبد الحميد
يمثل الدور المصري في إدارة الأزمة اليمنية نموذجاً فريداً للدبلوماسية السيادية القائمة على التوازن والمسؤولية القومية. فلم تكن مصر يوماً دعية حرب أو طرفاً يذكي الصراعات في الإقليم، بل انطلقت مشاركتها ومواقفها التاريخية من التزام قاطع وصارم بحماية أمن المملكة العربية السعودية والأمن القومي العربي باعتباره خطاً أحمر لا يقبل التجزئة.
ولم يقف الموقف المصري عند حدود التضامن الأمني وإظهار القدرة الردعية وقت اللزوم، بل امتد – بتعليمات مباشرة من القيادة السياسية المصرية وتنفيذ ميداني محترف من جهاز المخابرات العامة المصري – ليعيد رسم مشهد الأزمة نحو هندسة وساطة مباشرة وتاريخية حققت اختراقاً نوعياً في التوصل إلى «سلام استراتيجي شامل» وتفاهمات مباشرة بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله (الحوثيين).
أولاً: فلسفة الرؤية المصرية: السلام كخيار استراتيجي والحماية كالتزام أصيل
تستند السياسة الخارجية المصرية إلى قاعدة أرساها الخطاب السياسي والأمني بالقاهرة: مصر تسعى للسلام ولا تسعى للحرب، ولكنها تمتلك من أدوات القوة ما يحمي أمنها وأشقائها.
الالتزام المطلق بأمن الخليج: عندما فرضت التطورات التهديد المباشر لسيادة المملكة العربية السعودية، كان القرار المصري حاسماً في تأكيد أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن حماية الأراضي السعودية تتصدر أولويات الرؤية العسكرية المصرية.
التحول نحو الهندسة السلمية: لم يكن الهدف المصري يوماً استدامة الصراع أو إنهاك القوى الإقليمية، بل كان تثبيت قواعد الردع يتبعه فتح المسارات الدبلوماسية فوراً، انطلاقاً من إدراك القاهرة بأنه لا يوجد حل عسكري نهائي للأزمة اليمنية، وأن الاستقرار المستدام يتطلب تسوية سياسية شاملة ومباشرة بين كافة الأطراف الفاعلة.
ثانياً: مهندسو السلام: دور المخابرات العامة المصرية في الوساطة بين الرياض والحوثيين
لعب جهاز المخابرات العامة المصري – بتوجيهات ومتابعة دقيقة من القيادة السياسية – دور “وسيط السلام الموثوق والمحايد” بين القيادة السعودية وممثلي جماعة الحوثي، محققاً اختراقات استثنائية في الملف عبر:
فتح قنوات تواصل موازية ومباشرة: استغلت القاهرة علاقاتها الدبلوماسية التاريخية وثقة كافة الأطراف بصدق المقصد المصري لفتح خطوط اتصال غير معلنة ومستدامة بين الرياض وممثلي جماعة الحوثي، مما أسهم في كسر حالة الجمود وتقريب وجهات النظر النظرية والأمنية بين الطرفين.
صياغة بنود التفاهم والتهدئة: عملت الوساطة المصرية على بناء تدابير بناء الثقة بين الطرفين، والتي شملت الوقف الكامل للتصعيد العسكري عبر الحدود السعودية-اليمنية، وتسهيل الملفات الإنسانية واللوجستية، وضمان سلامة الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.
تأسيس معالم “السلام الاستراتيجي”: قدمت الدبلوماسية الأمنية المصرية أطراً متوازنة تضمن الشواغل الأمنية للمملكة العربية السعودية وتأمين حدودها الجنوبية بالكامل، وفي الوقت ذاته تضمن التزام جماعة الحوثي بمسار سياسي يمني داخلي جامع ينهي الاقتتال ويحفظ وحدة التراب اليمني.
ثالثاً: ردود الأفعال العربية والدولية حول الوساطة المصرية
لقيت الجهود المصرية لإنهاء الصراع اليمني وتحقيق التوافق المباشر بين الرياض والحوثيين إشادة واسعة وثقة كبرى من مختلف الأطراف:
ترحيب وتحالف سعودي-مصري: مثلت المبادرات المصرية ركيزة دعم أساسية للجهود السعودية المعلنة لإحلال السلام، وأكدت عمق التنسيق الاستراتيجي والأمني بين القاهرة والرياض في رسم ملامح الاستقرار الإقليمي.
قبول وارتياح من جماعة الحوثي والأطراف اليمنية: قوبل الدور المصري بترحيب وتقدير من جانب الحوثيين ومختلف القوى اليمنية، نظراً لموقف مصر الحيادي والتاريخي الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع ويسعى لصون دماء الشعب اليمني وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
إشادة دولية وأممية واسعة: وثقت الأمم المتحدة والدول الكبرى (واشنطن، موسكو، بكين، والاتحاد الأوروبي) الدور المصري المتميز، واصفة القاهرة بـ “صانع الاستقرار الرئيسي ومفتاح السلام” في الشرق الأوسط، لما تمثله تحركاتها من حماية للملاحة البحرية وممرات الطاقة العالمية.
رابعاً: ورقة تقدير موقف — المكاسب والتحديات الجيوسياسية للوساطة
تضع مخرجات الوساطة المصرية المشهد اليمني والإقليمي أمام معطيات استراتيجية جديدة يمكن تحليلها عبر تقييم الموقف الحالي والمستقبلي:
1. الفرص والمكاسب الجيوسياسية:
تعزيز المكانة المحورية لمصر: أعاد النجاح في هذا الملف إثبات مركزية الدور المصري كصانع سلام إقليمي يمتلك أدوات التأثير والقبول لدى جميع الأطراف المتباينة، بما يعزز نفوذ القاهرة في إدارة ملفات أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تحصين الاقتصاد والقنوات المائية: يمثل تحويل الهدنة إلى “سلام استراتيجي” ضمانة مباشرة لاستعادة التدفق الطبيعي لحركة الملاحة والتجارة الدولية عبر مضيق باب المندب وقناة السويس، مما يرفع المخاطر عن سلاسل الإمداد العالمية والاقتصاد المصري.
تأمين العمق الجنوبي للخليج: يتيح السلام المستدام بين السعودية والحوثيين للمملكة التركيز على رؤيتها التنموية والاقتصادية دون تهديدات عابرة للحدود، ويخلق منطقة بفر مائية وأرضية آمنة.
2. التحديات والمسارات الحذرة:
استدامة التوافق الداخلي اليمني: يظل التحدي الأكبر متمثلاً في نقل التفاهمات (السعودية – الحوثية) إلى مسار سياسي يمني – يمني شامل يتسع لكافة القوى الجنوبية والشمالية دون إقصاء.
إدارة الضغوط والتداخلات الدولية: قد تسعى بعض القوى الدولية للاستفادة من ورقة البحر الأحمر لتحقيق مآرب جيوسياسية، مما يتطلب استمرار الرعاية المصرية-السعودية لمنع أي إرباك خارجي لمسار السلام.
خامساً: الآثار الاستراتيجية للسلام في اليمن على الأمن الإقليمي
تتجاوز نتائج الوساطة المصرية للسلام بين السعودية والحوثيين حدود الملف اليمني لتلقي بظلالها الإيجابية على الأمن القومي العربي بأكمله:
تأمين الشرايين المائية والتجارة العالمية: يضمن السلام الاستراتيجي إنهاء التهديدات التي تطال حركة الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما ينعكس مباشرة على انتظام حركة التجارة بقناة السويس.
قطع الطريق على التدخلات الأجنبية: يُغلق حسم الملف عبر وساطة عربية قادتها مصر بالاشتراك مع السعودية المنافذ أمام القوى الدولية والإقليمية التي استغلت النزاع للعبث بالداخل العربي وتأجيج الصراعات البينية.
ترسيخ مدرسة “الحلول العربية للأزمات العربية”: أثبتت التجربة المصرية أن امتلاك القوة بالتوازي مع دبلوماسية المخابرات المحترفة يقدم حلاً استراتيجياً عربياً خالصاً يحمي مقدرات الشعوب ويعيد ترتيب أوراق المنطقة على أسس متينة من السيادة والاستقرار.








