أدب وثقافةقصص قصيرة

حانة أرتين . قصة قصيرة بقلم الكاتبة / كوثر جعفر

مع قراءة نقدية بقلم / مصطفى العقاد

حانة أرتين .

بقلم الكاتبة / كوثر جعفر

 

*في شارع نائم، فارغ إلا من ضوء مصباح يتيم، كانت حانة أرتين وحدها تطارد الليل بالصخب.

ضوء ملون يزيغ النظر، ضحكات تتعالى، وموسيقى تضرب الجدران قبل أن تتسرب إلى الشارع.

رنّ هاتف الطبيب عمران.

خرج إلى الرصيف، وأغلق الباب خلفه.

نظر إلى الشاشة لحظة، ثم رد.

مترنحًا، أسند نفسه إلى الحائط. نظر إلى اسم المتصل، توقف لحظة، ثم قرر ألا يرد. قطع الاتصال، دسّ الهاتف في جيبه، وأشعل سيجارته.

رنّ الهاتف مرة أخرى.

نظر إليه بضيق، ثم أجاب على مضض.

ـ دكتور عمران، التحق بالمشفى. لدينا حادث، والجثة تحتاج إلى تقرير وفاة. الدكتورة منى مسافرة، وأنت تعلم…

ـ تدبروا الأمر.

ـ آسفة دكتور، أنت مضطر للحضور. بسرعة.

أنهى الاتصال بغضب، تفقد مفاتيح سيارته، واتجه نحوها وهو يدندن الأغنية الأخيرة التي التقطها قبل مغادرة الحانة.

خرج عامل تنظيف الحانة ليرمي القمامة في الحاوية.

ـ الله معك دكتور، مع السلامة دكتور.

رمى له ورقة نقدية.

أخذ العامل الورقة ووضعها على رأسه.

بحث لوهلة عن سيارته. نسي أين ركنها.

ضغط زر المفتاح الآلي، فجاءه صوت السيارة من بعيد.

أدار المحرك، فانطلق المذياع بأغنية صاخبة.

عند باب المشفى، رمى المفاتيح بلا مبالاة إلى الحارس. التقطها مبتسمًا، وأكمل عمران سيره في الممر.

تهامست الممرضات حين مرّ أمامهن. إحداهن أسرعت إلى البوفيه، وعادت بكوب كبير من القهوة.

ـ تفضل دكتور… قهوة دبل. صحصح.

أخذ رشفة، أشعل سيجارته، ومضى بلا مبالاة. مرّ بأطباء وممرضين حيّوه، فلم يرد.

دخل المشرحة وهو يدندن أغنيته.

استقبله ذلك الضوء الأصفر الباهت، العاجز عن تبديد العتمة.

الغرفة باردة.

أخذ أقرب كرسي، جلس عليه بشكل مقلوب، وأسند صدره إلى ظهر الكرسي. أخذ رشفة من قهوته، أشعل سيجارته.

رنّ الهاتف.

نظر إلى الشاشة بملامح رافضة للاتصال، ثم رد.

ـ نانا، آسف. اضطررت إلى المغادرة لأمر هام.

استمع قليلًا.

ـ سأعوضك بسهرة أجمل.

صمت.

ـ هيا، كفي الآن عن العتاب. سأحدثك لاحقًا.

أنهى الاتصال.

شرب من قهوته، ووضع رأسه على ظهر الكرسي. غفا.

طرق على الباب.

ـ دكتور… أرجو أن تصحو. نحتاج التقرير.

فرك عينيه.

أشار بيده أن تحضر له فنجان قهوة آخر.

ثم أشار بحركة أخرى أن تغادر.

أخذ فنجان قهوته وسيجارته، واتجه نحو الجثة.

نزع الغطاء.

ألقى نظرة عليها، ثم ابتسم، وأمال رأسه قليلًا.

بلا مبالاة، أمسك يد الجثة وتركها تسقط.

رنّت الأساور الكثيرة حول معصمها.

تأمل أظافرها المطلية بعناية، بشرتها الجافة، والخواتم المتعددة التي ازدحمت أصابعها.

نقش حناء بدوي كثيف غطّى ظهر يدها.

بقايا أحمر شفاه قوي على فمها.

توقف عن فحص الجثة.

وقف قبالتها، عاد إلى قهوته، وأشعل سيجارته. ابتسم، ثم عاد يدندن أغنيته.

بيد واحدة عاد إلى الفحص، وبالأخرى أمسك سيجارته.

فحص عينيها، ثم نزع الرموش المستعارة.

عادت تلك الابتسامة، وتلك الإمالة الخفيفة لرأسه.

بحث في رأسها عن كدمات، فانتهى شعر مستعار بين يديه.

توقف لوهلة.

شعر خفيف جدًا، يغزوه البياض، وفراغات كثيرة.

أزال المكياج بمادة أظهرت لون البشرة الحقيقي، فظهرت هالة سوداء غامقة وندوب أخفاها التبرج.

توقف واجمًا.

نظر إلى الجثة لبرهة.

رشف من قهوته، أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم رماها.

غيّر مكان وقوفه واتجه نحو رجليها. كانت ترتدي حذاءً براقًا وجوارب طويلة لامعة.

نزع الحذاء. استوقفه ثقب أسفل الحذاء وخياطة في أسفله.

ثم حاول فحص ساقيها، فاكتشف ثقوبًا كثيرة في الجوارب غير ظاهرة.

نزع عنها الجوارب، فتفاجأ برجلين متشققتين ودوالي زرقاء تغزو الساقين.

ابتعد عن الجثة، جلس لبرهة على كرسيه، وضع سيجارة في فمه، نسي أن يشعلها، وعاود الوقوف أمام الجثة.

وقف أمام الجثة. ذهب مرة نحو الأرجل، ثم عاد للوقوف أمامها. قصّ الثوب الأسود الضيق الذي كان يبرز معالم جسمها.

انتفض فجأة وتراجع إلى الوراء. سقطت السيجارة من فمه.

فتح باب المشرحة وخرج.

اتجه نحو الاستعلامات.

ـ هل كان معها أغراض؟

ـ نعم.

ـ ماذا؟

ـ حقيبة يد وكيس. هما في الأمانات.

ـ أحضروها لي.

عاد للغرفة، أشعل سيجارة وراح يزرع الغرفة جيئة وذهابًا. توقف، نظر إلى الجثة من بعيد.

طرق الباب. أحضروا الأمانات، ووضعوها على الطاولة أمامه.

وقف على مقربة من الطاولة، أخذ نفسًا من سيجارته، قضى على نصفها ورماها.

رمى السيجارة، سار نحو الجثة، نظر إليها، تراجع نحو الطاولة، وقف لبرهة، مد يده للحقيبة، ثم سحبها نحو الكيس، ثم عاد للحقيبة.

فتح الحقيبة بهدوء، ألقى نظرة. توقف للحظة.

ثم قرر إفراغ محتوى الحقيبة دفعة واحدة على الطاولة. تناثرت الأشياء أمامه.

أول شيء وقعت عينه عليه هاتفها وبيته البراق. أخرج الهاتف، تفحصه. كان هاتفًا حديثًا عليه صورة لها تحتضن صبيًا.

وضع الهاتف جانبًا. قارورة عطر، وأحمر شفاه، ومشط، ومشابك شعر.

سلسلة مفاتيح، ثم لفت نظره كتاب «الحصن الحصين» الصغير. أمسكه بيده، تفحصه.

اتجه نحو الجثة، حمل مقصًا، قصّ حمالة الصدر، رفعها أمام عينيه. كانت أقفالها صدئة، وقد خيطت مرارًا.

حملها ووضعها على الطاولة.

لمح بطاقتها الشخصية، التقطها بسرعة، قرأ بعناية، ووضع البطاقة.

لاحظ علبة دواء مهدئة ذات مورفين قوي. فتح العلبة، كان الباقي فيها حبتان.

تمتم:

ـ لماذا المورفين يا ندى؟ ألم أم إدمان؟

ترك محتويات الحقيبة وعاد إلى الحذاء والجوارب وحمالة الصدر. توقف قليلًا، ثم اتجه إلى هاتفه وأجرى اتصالًا.

ـ مرحبًا نانا، هل أنت بخير؟

ـ أنا آسف.

ـ لا، لا شيء. فقط شعرت أني أسأت التصرف عندما غادرت دون إبلاغك.

ـ تصبحين على خير.

سار نحو الطاولة بين المحتويات.

روشتة دواء لمريض زهايمر.

للحظة وقف أمام الروشتة. تذكر كم كان يشعر بالسعادة عندما كانت تتعرف عليه أمه وتناديه باسمه.

فواتير قد سُددت اليوم.

بخاخ معطر للفم، نظارة شمسية، علكة.

ثم اتجه إلى الكيس، أفرغ محتوياته.

راح يقلب محتوياتها، يحملها قطعة قطعة ، وكأنه يريدها أن تجيب عن تساؤلاته.

في الكيس حذاء بلا كعب، وعباءة سوداء وحجاب أبيض، وكيس دواء يعود للروشتة نفسها، وكيس فيه بسكوت وشوكولا وكيس شيبس، وثوب غواية أحمر وحمالة صدر حمراء جديدة.

انتهى من فحص المحتويات، جلس على كرسيه لبرهة، ثم اتجه إلى مقابس أضواء الغرفة. أشعلها كلها، واتجه إلى الجثة.

حمل مكبرًا، وراح يفحص الندوب على جسدها: غرز، وآثار حرق، والأهم، هناك آثار ضرب مبرّح تعرضت له اليوم.

رنّ هاتفها.

فؤاد المتصل.

حمل الهاتف، تردد في فتح الاتصال. فهذا ليس في صلب عمله.

بعد تردد، فتح الاتصال.

ما إن فتح الاتصال حتى انهال بالشتائم:

ـ هذه المرة لن أكتفي بضربك فقط. تتمنعين عني بحجة المرض؟ هل هناك رجل آخر؟

ـ وهل يستطيع أحد أن يدفع ما أدفعه لكِ، أيتها الساقطة؟

أغلق الهاتف بينما فؤاد لم ينهِ كلامه.

تابع الفحص، وبسرعة التقط أثر عمل جراحي أسفل البطن، لا يبدو أنه قديم.

بسرعة جرّ العربة التي عليها جهاز الإيكو، فحص بسرعة، رمى الجهاز وتراجع. شعر بضيق في تنفسه.

اتجه نحو النافذة، فتحها، استنشق بعض الهواء.

عاد إلى الجثة:

ـ بحجة المرض يا فؤاد؟

ـ عمل جراحي، استئصال رحم من فترة قريبة.

ـ وكليتان بالكاد تعملان. ماذا سيفعل المورفين يا ندى؟

أنهى الفحص، اتجه إلى الطاولة وأعدّ التقرير.

اتجه نحو هاتف ندى، حمله وأعاده إلى مكانه، ثم عاد وحمله. بحث في جهات اتصالها.

رأى: «بابا»، «ماما».

تردد بمن يتصل. توقف، ورمى الهاتف على الطاولة.

ـ لماذا أتصل؟ هذا ليس عملي.

ثم عاد والتقط الهاتف:

ـ ترى من فيهم مريض الزهايمر؟

أسرع إلى الروشتة. كانت باسم الأب.

اتصل بالأم.

ـ أهلًا بنيتي، أبوكِ أصبح أفضل حالًا. كيف عملك الجديد في هذا المشفى؟

ـ مرحبًا سيدتي.

ـ من أنت؟

ـ أنت الدكتور مديرها؟

ـ والله ابنتي طيبة جدًا… العمل في المشفى أراحها من تنظيف البيوت.

تردد.

ـ نعم، كانت موظفة طيبة.

أنهى الاتصال وأقفل الهاتف، أعاد محتويات الحقيبة والكيس، غطى جثة ندى بالشرشف الأبيض، وضع «الحصن الحصين» على صدر ندى، وضع التقرير في ظرف ومهره بتوقيعه.

أشعل سيجارة، وقف عند النافذة. كانت مئذنة الجامع القريب تصدح بأذان الفجر:

الله أكبر… الله أكبر.

أنهى سيجارته، أغلق النافذة، أطفأ الأضواء، خرج من المشفى.

استقل سيارته مسرعًا، وعلى مقربة من حاوية القمامة توقف، وأخرج من تحت سترته ثوبها الأحمر وحمالة صدرها الحمراء، ورمى بها في الحاوية.

داس بقوة على البنزين، أشعل سيجارته، ومضى بسرعة، والمذياع يطلق أغاني صاخبة.

,,,,,,,,,,,,

القراءة النقدية للقصة.

 

بقلم / مصطفى العقاد

يندرج هذا النص تحت مظلمة القصة القصيرة ذات النفس الطويل, أو ما يمكن تسميته بالسرد الدرامي النفسي الواقعي والمشحون بالرمزية… حيث تنتمي الكاتبة إلى مدرسة الأدب الواقعي النفسي الذي لا يكتفي بنقل الحدث الخارجي, وإنما يغوص في التداعيات التحتية للشخصيات, ويعري دواخلهم بمبضع دقيق دون إطلاق أحكام أخلاقية جاهزة.

وبقصة «حانة أرتين» نجد طاقة سردية واعدة, تبني عوالمها بحساسية عالية تجاه التفاصيل الإنسانية, وتتناول ثيمة الازدواجية والقناع الاجتماعي بوعي فني لافت, وأرى من منظور نقدي أن الكاتبة قد نجحت منذ المشهد الافتتاحي, إذ خلقت مفارقة مكانية ونفسية حادة بين صخب الحانة وعبثيتها, وبين برودة المشرحة وعتمتها, وهو تقابل مكاني أسس مبكرًا لصراع داخلي يعيشه البطل الطبيب “عمران” الذي يتحرك بين عوالم متناقضة بلا اكتراث ظاهر, ويحمل في داخله طبقات من التبرير والهروب.

وقد ظهرت جماليات اللغة في قدرتها على التكثيف ورسم الحالة الشعورية بضربات سريعة, توحي أكثر مما ترحل في التقريرية.. كاستخدام الإضاءة الصفراء الباهتة, وتفاصيل المطرقة النفسية التي تمارسها لغة الحوار المقتضبة والتي جاءت محملة أيضًا بتوتر خفيّ, وهذا قد ساعد بكشف أبعاد الشخصية دون استطراد ممل..

حبكة القصة كقصة قصيرة اعتمدت على عنصر الكشف التدريجي وتصاعد الاكتشافات البيانية بدءًا من القشرة الخارجية للاستهلاك الظاهري وصولًا إلى الحقيقة الإنسانية الموجعة للجثة التي تحولت من مجرد رقم في المشرحة إلى حكاية مأساوية لامرأة تكابد قسوة الحياة لتلبي احتياجات عائلتها, ومريض الزهايمر..

البناء الفني.. تبرز عبقرية في توجيه التداعيات النفسية للبطل الذي بدأ متبلد المشاعر ليتورط شيئاً فشيئاً في تفحص التفاصيل الدقيقة التي أجبرته على إعادة النظر في موقفه الإنساني والأخلاقي…

النقد البناء: وما ينبغي وما كان يمكن أن يكون لتكتمل عناصر الإحكام القصصي. فإن العمل كان سيكتسب عمقًا أثرى لو أن الكاتبة تجنبت بعض التكرار في روتين أفعال البطل. مثل “الإفراط في تكرار تفاصيل إشعال السيجار” و”رشفات القهوة” التي وإن كانت ترسم طابع اللامبالاة والملل إلا أن تكرارها المتقارب أطال أحيانًا على إيقاع السرد دون إضافة دلالية جديدة… كان يمكن الاستعاضة عنها بلغة جسد أخرى تترجم هذا التوتر..

كما أن الانتقال المفاجئ بين مكالمة “نانا” ومتابعة تفحص أمتعة الجثة, خلق فاصلًا ذهنيًا شتت قليلًا من بؤرة التوتر المشهدي, وكان يجدر بالحبكة أن تدمج هذا الخيط الرومانسي الباهت “مكالمات نانا” بصورة أكثر عضوية لتكون انعكاسًا لهروب “عمران” الدائم من مواجهة الحقيقة بدلًا من أن تبدو كقطع عارض…

أما على مستوى الشخصيات: فقد أبدعت الكاتبة في ابتكار شخصية الطبيب “عمران” وجعلها شخصية رمادية, غير نمطية.. فهو ليس بطلًا مثاليًا ولا شريرًا مطلقًا.. جعلت منه إنسان مثقل بالبلادة والهروب المؤقت من الواقع, وهي سمة إنسانية متكررة بعالمنا ولا يشعر بها أغلب الناس, وبالقصة, جعلتنا نتفهم تعاطفه المتأخر وتحوله الصامت دون الوقوع في فخ الوعظ المباشر..

هذا النص يمتلك روحًا سردية عالية النبرة والتميز، وكل ملاحظة نقدية هنا ليست سوى مباضع محبة تُراد بها إضاءة زوايا الظل لتخرج قصة “حانة أرتين” بصيغة تكفل لها خلود التأثير, وعمق البناء الفني المتكامل الذي يليق بقلم واعد يملك الكثير ليقدمه.

الخاتمة الفنية للقصة: جاءت محملة بضربة ختامية رمزية تمثلت في تخلص البطل من الثوب الأحمر عند حاوية القمامة وعودته إلى صخبه ومذياعه… وهي خاتمة موفقة وذكية لكونها تركت الأبواب مفتوحة على مصراعيها دون تقريرية فجّة أو وعظ مباشر كما ذكرت. وهذا جعل دلالة التخلص من الأثر بمثابة محاولة لدفن الإدانة والهروب مجددًا إلى دائرة البلادة, غير أن ما كان يمكن استدراكه لتكتمل هذه الخاتمة جماليًا هو إحداث رجفة أو هزة شعورية أعمق لدى “عمران” قبل تخلصه من الرموز..

أما عن التوصية الأسلوبية العامة لهذا الأدب الواعد فهو يمتلك القدرة على اقتحام المناطق الوعرة في النفس البشرية وتحويل المشهد إلى لوحة إنسانية تنبض بالوجع, شريطة الانتباه لضبط إيقاع التفاصيل اليومية المكررة لصالح التكثيف الدرامي الخالص الذي يخدم تدفق السرد, ويترك أثره في ذاكرة القارئ..

زر الذهاب إلى الأعلى