حين وقف المماليك أمام المغول مرة أخرى
بقلم / محمد مصطفى كامل
شقحب 1303م اليوم الذي عاد فيه المغول إلى أبواب دمشق، لكنهم لم يستطيعوا العبور
عبرنا البحر إلى عكا، حتى سقط آخر باب كبير للفرنجة في المشرق.
ثم امتطينا الخيول وعبرنا الزمن إلى غرناطة، فتركناها واقفة على حافة التاريخ.
ثم عدنا إلى الشرق، حيث ظن الناس أن سقوط عكا سيمنح المماليك سنوات من الهدوء.
لكن التاريخ لم يمنحهم ذلك.
فالمغول لم ينسحبوا من الشام لأنهم فقدوا الرغبة في العودة.
لقد انسحبوا لأن ظروفهم لم تسمح لهم بالبقاء.
وكان غازان يعرف أن دمشق لم تكن مجرد مدينة.
كانت مفتاح الشام.
والشام كانت الطريق إلى مصر.
ولهذا، لم يكن انسحاب المغول نهاية الحرب.
كان مجرد توقف.
وفي سنة 702هـ / 1303م…
عادوا.
لكن هذه المرة لم يأتِ غازان بنفسه إلى قلب المعركة.
أرسل أحد أقوى قادته:
قطلوشاه.
وكان خلفه جيش كبير.
وأمامه دمشق.
أما في القاهرة ،
فكان السلطان الناصر محمد بن قلاوون يستعد للخروج.
وكان السؤال هذه المرة أخطر من كل مرة:
هل يستطيع المماليك أن يوقفوا المغول قبل أن يصلوا إلى دمشق؟
أم أن وادي الخزندار لم يكن إلا البداية؟
بعد وادي الخزندار لم تنتهِ القصة
في أواخر سنة 1299م، دخل المغول الشام.
وانتصروا على المماليك في وادي الخزندار قرب حمص.
ثم دخلوا دمشق.
وكان المشهد صادمًا.
جيش مغولي في عاصمة الشام.
لكن غازان لم يستطع تحويل انتصاره العسكري إلى احتلال دائم.
انسحب.
وعادت دمشق إلى المماليك.
لكن شيئًا مهمًا كان قد تغير.
لقد عرف غازان أن الطريق إلى الشام ممكن.
وعرف المماليك أن عودة المغول ليست مستحيلة.
وبذلك أصبح كل طرف ينتظر الجولة التالية.
ثم جاءت سنة 1300م.
وحاول غازان العودة.
لكن حملته لم تحقق ما أراده.
ثم عاد إلى الشرق.
ومرت فترة من الترقب.
حتى جاء عام 1303م.
وهنا قرر غازان أن يضرب مرة أخرى.
غازان يرسل جيشه من جديد
لم يكن غازان بحاجة إلى إثبات أنه يستطيع الوصول إلى الشام.
لقد فعلها من قبل.
كان يريد هذه المرة نتيجة مختلفة:
الاستقرار.
أن يثبت وجوده.
أن يجعل الشام منطقة نفوذ إيلخانية.
وأن يضع المماليك أمام حقيقة جديدة.
أن حدودهم الشمالية ليست آمنة.
ولهذا أرسل جيشًا بقيادة قطلوشاه.
كان قطلوشاه من كبار قادة الإيلخانيين، وسبق أن شارك في حملات غازان العسكرية.
لكن غازان نفسه لم يتقدم مع الجيش حتى دمشق.
بقي في الشرق، منتظرًا نتيجة الحملة.
وكانت الخطة واضحة:
عبور الفرات.
التقدم نحو الشام.
الضغط على حلب وحماة.
ثم الوصول إلى دمشق.
ومن دمشق يمكن أن يبدأ التفكير في مصر.
الخوف يعود إلى الشام
عندما انتشرت أخبار تقدم المغول، بدأ الناس في الفرار.
أهل حلب.
وأهل حماة.
وسكان المناطق المحيطة.
اتجه كثير منهم نحو دمشق.
كانت المدينة تمتلئ بالنازحين.
والأخبار تأتي تباعًا .
المغول عبروا الفرات.
المغول اقتربوا.
المغول في طريقهم إلى حماة.
وكانت الذاكرة القديمة لا تزال حاضرة.
فمنذ أقل من نصف قرن فقط،سقطت بغداد.
ثم وصلت جيوش المغول إلى الشام.
ثم وقعت عين جالوت.
ثم جاء غازان.
ثم سقطت دمشق لفترة قصيرة.
والآن ها هم يعودون مرة أخرى.
القاهرة تتحرك
في دمشق كان التوتر يتصاعد.
وفي القاهرة كان القرار يُتخذ.
لم يكن أمام المماليك خيار سهل.
إذا انتظروا حتى يدخل المغول دمشق، أصبح إخراجهم أكثر صعوبة.
وإذا خرجوا لمواجهتهم في الشام، فإنهم يخاطرون بجيش الدولة في معركة مفتوحة.
لكن الناصر محمد لم يكن يستطيع أن يسمح للمغول بالوصول إلى دمشق مرة أخرى.
فخرج الجيش المصري.
وكانت المعركة القادمة ستكون مختلفة عن وادي الخزندار.
لأن المماليك لم يكونوا هذه المرة جيشًا فوجئ بالمغول.
كانوا يعرفون أنهم قادمون.
وكانوا ينتظرونهم.
دمشق تنتظر
في ربيع سنة 1303م، أصبحت دمشق مركز التجمع المملوكي.
وصلت القوات.
واجتمعت الرايات.
وكان السلطان الناصر محمد يتحرك مع الجيش.
كما كان عدد من كبار الأمراء في قلب الاستعداد.
ومن أبرزهم:
بيبرس الجاشنكير.
وسَلار نائب السلطنة.
وهما من أقوى رجال الدولة المملوكية في تلك المرحلة.
وكانت هناك مشكلة أخرى:
الخوف.
فالناس كانوا يعرفون ماذا يعني وصول المغول.
وبعضهم فكر في الفرار.
لكن ترك دمشق لم يكن حلًا.
فإذا فر أهلها فمن يبقى للدفاع عنها؟
المغول يقتربون
تحرك قطلوشاه بجيشه.
وتقدمت القوات المغولية في اتجاه دمشق.
وكانت حماة قد أصبحت جزءًا من مسرح الأحداث.
ثم اقتربت القوات من دمشق.
وفي التاسع عشر من أبريل تقريبًا، كانت طلائع المغول قد وصلت إلى منطقة قريبة من المدينة.
لم تعد المسافة كبيرة.
لكن المماليك كانوا قد خرجوا لمواجهتهم.
وهنا حدث شيء بالغ الأهمية.
لم ينتظر المماليك سقوط دمشق.
بل خرجوا إلى الميدان.
وكان عليهم أن يختاروا مكان المعركة.
فاختاروا أرضًا جنوب دمشق.
مرج الصفر.
وهناك كان التاريخ ينتظر.
مرج الصفر
في الثاني من رمضان سنة 702هـ، الموافق 20 أبريل سنة 1303م، بدأت المعركة.
وكانت القوات المغولية بقيادة قطلوشاه.
أما الجيش المملوكي فكان بقيادة السلطان الناصر محمد ومعه كبار الأمراء. وتذكر المصادر الحديثة أن المعركة استمرت عدة أيام، وانتهت بهزيمة حاسمة للقوات المغولية.
لكن المعركة لم تكن سهلة.
على العكس.
في بدايتها بدا أن المماليك قد يواجهون كارثة.
الجناح الذي كاد أن ينكسر
هاجم المغول بشدة.
وكان هدفهم إرباك الجيش المملوكي وكسر أحد أجنحته.
واشتد القتال.
وسقط كثير من الرجال.
وتراجع بعض المماليك.
وبدا للحظات أن المغول قد يفعلون ما فعلوه في وادي الخزندار.
أن يكسروا الجيش المملوكي.
ثم يفتحوا الطريق إلى دمشق.
لكن هناك فرقًا بين جيش فوجئ بالمغول وجيش جاء إلى المعركة وهو يعرف أنه يقاتل المغول.
كان المماليك قد تعلموا.
ولم يكن كل الجيش ينهار.
قطلوشاه يرى النصر قريبًا
كان قطلوشاه يتابع المعركة.
وبدا أن الضغط الذي مارسه على أحد أجنحة الجيش المملوكي يحقق نتائج.
لكن المشكلة أن الجيش المملوكي لم يكن جناحًا واحدًا.
كان هناك مركز.
وجناح آخر.
وقوات احتياط.
وكانت المعركة تتحول إلى صراع طويل.
وهنا وقع خطأ خطير.
تقدم قطلوشاه إلى موضع مرتفع ليشرف على سير القتال ويوجه قواته.
وكان يريد أن يرى المعركة من مكان أفضل.
لكن المكان المرتفع الذي أعطاه رؤية أفضل جعله أيضًا أكثر تعرضًا للخطر.
اللحظة التي تغير فيها كل شيء
اشتد القتال حول الموقع الذي وقف فيه قطلوشاه.
وتعرضت القوات المغولية لضغط شديد.
وبدأ التماسك الذي اعتمدت عليه في الهجوم يتراجع.
ثم بدأت كفة المعركة تميل.
المماليك لم يكتفوا بالدفاع.
بل بدأوا بالهجوم المضاد.
وكان عليهم أن يمنعوا المغول من إعادة تنظيم صفوفهم.
فكل دقيقة تمنح المغول فرصة لإعادة التجمع.
والجيش المغولي كان خطيرًا عندما يملك مساحة للمناورة.
لكن الأرض والقتال القريب أجبراهم على الدخول في معركة مختلفة.
المغول يبحثون عن الماء
ومع استمرار القتال، أصبح الماء عنصرًا حاسمًا.
كانت الخيول تحتاج إلى الماء.
والرجال يحتاجون إليه.
وكانت القوات المغولية قد أنهكتها المعركة.
فاتجه جزء منها نحو النهر.
وهنا انتظر المماليك اللحظة.
فقد فتحوا طريقًا يسمح للمغول بالتراجع نحو الماء.
ثم هاجموهم عندما أصبحوا في وضع أقل قدرة على المناورة.
وتشير الروايات إلى أن القتال استمر حتى اليوم التالي، قبل أن يكتمل انسحاب المغول.
وهنا تحولت المعركة.
لم تعد معركة من أجل كسر الجيش المملوكي.
بل أصبحت معركة من أجل إنقاذ الجيش المغولي نفسه.
قطلوشاه ينسحب
بدأ الانسحاب.
لكن المماليك لم يتركوا المغول ينسحبون بهدوء.
طاردوهم.
واستمرت الاشتباكات.
حتى أصبحت هزيمة الجيش المغولي واضحة.
وكانت الرسالة التي ستصل إلى غازان قاسية:
الجيش الذي أرسله إلى الشام لم يحقق هدفه.
بل تعرض لهزيمة كبيرة.
وتذكر المصادر أن غازان تلقى خبر الهزيمة، وأن هذه الهزيمة كانت سببًا مهمًا في توقف مشروعه الجديد لغزو الشام.
دمشق لا تسقط
وهنا تظهر أهمية شقحب.
فالمعركة لم تكن مجرد انتصار عسكري للمماليك.
لقد منعت تكرار سيناريو 1299م.
في المرة السابقة:
المغول انتصروا.
دخلوا دمشق.
وأرعبوا الشام.
ثم انسحبوا.
أما هذه المرة:
لم يدخلوا دمشق كقوة منتصرة.
لقد وصلوا إلى أبوابها،لكن الجيش المملوكي خرج إليهم.
وأوقفهم خارجها.
وهذه نقطة فارقة.
من كان في قلب المشهد؟
لم تكن المعركة مجرد مواجهة بين اسمين.
كان خلف الجيش المملوكي جهاز دولة كامل.
السلطان الناصر محمد.
الأمراء.
الفرسان.
القوات المصرية.
القوات الشامية.
وأهل دمشق الذين كانوا يعرفون أن سقوط الجيش يعني سقوط مدينتهم.
وكان هناك أيضًا علماء ورجال دين شاركوا في التعبئة المعنوية للمجتمع.
وتذكر المصادر حضور ابن تيمية في سياق أحداث مواجهة المغول في تلك الفترة، ودوره في الحث على القتال والدفاع عن الشام.
وهكذا أصبحت المعركة مواجهة عسكرية ومواجهة نفسية أيضًا.
هل كانت شقحب مجرد معركة؟
لا.
لأن نتيجتها تجاوزت الميدان.
لقد أوقفت حملة مغولية كبيرة.
وأبقت الشام في يد المماليك.
وأظهرت أن انتصار المغول سنة 1299م لم يكن كافيًا لتغيير ميزان القوى بصورة دائمة.
كما أنها كانت ضربة قوية لمشروع غازان في الشام.
وتذكر المصادر التاريخية المعاصرة أن هزيمة قوات غازان في مرج الصفر سنة 1303م كانت حاسمة، وأن خططه لحملة رابعة على الشام توقفت قبل وفاته سنة 1304م.
الناصر محمد من سلطان صغير إلى رجل دولة
وهنا يجب أن نتوقف عند الناصر محمد.
فالرجل الذي دخل هذه المرحلة وسط صراعات الأمراء لم يكن قد وصل بعد إلى أقوى مراحل حكمه.
لقد تولى السلطنة أكثر من مرة.
وكان الأمراء يملكون نفوذًا هائلًا.
لكن السنوات ستدفعه تدريجيًا إلى بناء سلطنة أكثر استقلالًا عن كبار الأمراء.
وسيعود الناصر محمد إلى الحكم مرة ثالثة سنة 1310م.
وهذه المرة سيكون الأمر مختلفًا.
لن يكون السلطان الصغير الذي يتحكم الأمراء في قراره.
بل سيبدأ عصر طويل من الحكم والاستقرار النسبي والإنجاز العمراني والاقتصادي.
لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد.
غازان آخر المحاولات
كانت هزيمة شقحب ضربة قوية.
لكن غازان لم يعش طويلًا بعدها.
فقد توفي في 11 شوال سنة 703هـ، الموافق 17 مايو 1304م، عن نحو ثلاثين عامًا، لتنتهي بذلك مرحلة مهمة من المواجهة المملوكية الإيلخانية في عهده.
وكان موته يعني أن الحرب ستدخل مرحلة جديدة.
فمن سيأتي بعد غازان؟
وهل يستمر مشروع المغول في الوصول إلى الشام؟
أم أن المماليك نجحوا أخيرًا في إغلاق الطريق؟
وهنا بدأت صفحة جديدة.
من بغداد إلى شقحب
تأملوا المسافة الزمنية.
1258م بغداد تسقط.
1260م المغول يدخلون الشام ثم يُهزمون في عين جالوت.
1299م المغول يعودون.
والمماليك يُهزمون في وادي الخزندار.
1303م المغول يعودون مرة أخرى.
لكن هذه المرة المماليك ينتظرونهم في شقحب.
والنتيجة مختلفة.
وهنا يظهر شيء مهم في التاريخ:
الدول لا تعيش بانتصار واحد.
كما أنها لا تسقط بهزيمة واحدة.
الدولة تتعلم.
تتغير.
تُعيد بناء جيشها.
تبدل قادتها.
وتتكيف مع أعدائها.
وهذا ما فعله المماليك.
من وراء الستار…
في وادي الخزندار ،
دخل المغول الشام منتصرين.
وفي شقحب ،
دخلوا الشام وهم يظنون أنهم قادرون على تكرار التجربة.
لكن بين المعركتين كانت هناك أربع سنوات فقط كانت كافية للمماليك كي يعيدوا ترتيب صفوفهم.
في المرة الأولى كان السؤال :
هل يستطيع المغول الوصول إلى دمشق؟
وفي المرة الثانية أصبح السؤال:
هل يستطيع المغول الخروج من الشام سالمين؟
والإجابة جاءت من أرض شقحب.
لقد استطاع المماليك إيقاف الحملة.
وحافظوا على دمشق.
وحافظوا على الشام.
وأثبتوا أن المغول، رغم قوتهم، لم يعودوا القوة التي لا يمكن إيقافها.
لكن التاريخ لم ينتهِ هنا.
فالمغول سيبقون في الشرق.
والإيلخانيون سيواصلون وجودهم.
والناصر محمد سيعود إلى السلطنة.
والقاهرة ستدخل عصرًا جديدًا.
ثم سيحدث شيء لم يكن في حسبان أحد:
سيهدأ سيف الحرب فترة لكن الدولة المملوكية ستدخل من الداخل في معركة أخرى.
معركة الأمراء.
والسلطان.
والمال.
والنفوذ.
وفي هذه المعركة الجديدة لن يكون العدو واقفًا على حدود مصر.
بل سيكون داخل القصر نفسه.
وسنعود إلى القاهرة ،
إلى السلطان الناصر محمد.
إلى عودته الثالثة إلى العرش.
وإلى الرجل الذي حاول أن يحكم دولة المماليك من دون أن يكون الأمراء هم الذين يحكمونه.
التاريخ من وراء الستار…
فبعد أن أوقف المماليك المغول عند أبواب دمشق ، بدأت معركة أخرى.
هذه المرة لم يكن العدو خارج الأسوار.
بل كان داخلها.
وفي المقال القادم:
حين عاد الناصر محمد إلى العرش.








