حين يكافأ النفاق ويُظلَم الإخلاص
بقلم: محمود سعيد برغش
في بعض بيئات العمل، لا تكون الكفاءة وحدها هي المعيار الحقيقي للتقدير والترقي، ولا يكون الاجتهاد دائمًا هو الطريق الأقصر إلى النجاح. فقد يجد الموظف المخلص نفسه في الصفوف الخلفية، بينما يتقدم آخرون بفضل قدرتهم على التملق، ومسايرة المسؤولين، وإتقان فنون المجاملة المبالغ فيها، حتى لو كان ذلك على حساب زملائهم وكرامتهم المهنية.
هنا تبدأ واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد بيئة العمل من الداخل: النفاق الوظيفي.
فالمشكلة لا تكمن في احترام المدير أو الالتزام بتعليماته، فهذه من أبجديات العمل، وإنما في أن يتحول الاحترام إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، وأن يصبح التملق جسرًا للحصول على إجازة استثنائية، أو مكافأة مالية، أو ترقية لا تستند إلى الكفاءة والإنجاز، بل إلى مقدار ما يستطيع الموظف تقديمه من مجاملات وولاء زائف.
من التملق إلى الوشاية.. سقوط أخلاقي خلف الأبواب المغلقة
تزداد خطورة الأمر حين لا يكتفي الموظف المتملق بمجاملة رئيسه، بل يتجاوز ذلك إلى مراقبة زملائه، وتتبع تحركاتهم، ونقل أحاديثهم، وتضخيم أخطائهم، وربما اجتزاء الكلمات من سياقها بهدف كسب رضا المسؤول أو إبعاد المنافسين عن طريقه.
في هذه الحالة، لا يعود مكان العمل ساحةً للإنتاج والتعاون، بل يتحول إلى بيئة يسودها الحذر، ويخشى فيها الموظف أن يتحدث بعفوية أو يبدي رأيًا مخالفًا، خوفًا من أن تصل كلماته إلى المسؤول محمّلة بتفسيرات لم يقصدها.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لمؤسسة أن تتقدم بينما ينشغل بعض أفرادها بمراقبة بعضهم البعض بدلًا من تطوير العمل وتحقيق أهدافه؟
إن الموظف الذي يجعل من أسرار زملائه وسيلةً للصعود لا يبني لنفسه مكانة حقيقية، بل يصنع صورة مؤقتة قد تنهار عند أول اختبار. فالنجاح الذي يقوم على الإساءة إلى الآخرين ليس نجاحًا مستقرًا، والثقة التي تُكتسب بالوشاية قد تضيع بالطريقة نفسها.
المدير الذي يشجع النفاق شريك في المشكلة
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل الموظف وحده مسؤولية هذه الظاهرة؛ فهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أسلوب الإدارة الذي يسمح للتملق والوشاية بأن يتحولا إلى أدوات للتأثير في القرارات.
فالمدير الناجح لا يكتفي بسماع ما يُقال له، بل يتحقق مما يسمعه، ولا يتخذ قراراته بناءً على رواية موظف واحد، بل يستند إلى الوقائع والأدلة ومعايير واضحة تنطبق على الجميع.
أما المدير الذي يمنح ثقته لمن ينقل إليه أخبار زملائه، ويكافئ من يجيدون التملق، ويتجاهل أصحاب الكفاءة لمجرد أنهم لا يتقنون هذا النوع من المجاملات، فإنه يساهم، بقصد أو دون قصد، في صناعة بيئة عمل غير صحية.
الإدارة ليست سلطة تُمارَس على الموظفين، بل مسؤولية تتطلب العدل والحكمة والقدرة على التمييز بين الحقيقة والمصلحة الشخصية.
والمدير الذي يخلط بين الولاء له والولاء للمؤسسة قد يحيط نفسه بأشخاص يوافقونه في كل شيء، لكنه قد يكتشف متأخرًا أنه فقد القدرة على سماع الحقيقة؛ لأن من حوله أصبحوا يقولون ما يرضيه، لا ما يحتاج إلى معرفته.
فالمدير الواثق من نفسه لا يخشى الموظف الذي يختلف معه في الرأي، ولا يعتبر النقد المهني تمردًا، بل يدرك أن اختلاف وجهات النظر قد يكون سببًا في تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء. أما من يبحث دائمًا عمن يصفق له، فقد يجد نفسه يومًا محاطًا بأصوات كثيرة، لكنه محروم من كلمة صادقة.
من يبيع زملاءه اليوم.. ماذا سيفعل غدًا؟
من أخطر ما في النفاق الوظيفي أن صاحبه قد يقدم نفسه باعتباره الأكثر إخلاصًا والأحرص على مصلحة الإدارة، بينما يكون دافعه الحقيقي هو تحقيق مكاسب شخصية.
ومثل هذا السلوك يثير تساؤلًا مشروعًا حول طبيعة الولاء الذي يعلنه صاحبه: هل هو ولاء للمؤسسة ومصالحها، أم ولاء مرتبط بما يحصل عليه من امتيازات؟
فمن يجعل مصلحته الشخصية فوق المبادئ قد يغيّر مواقفه عندما تتغير الظروف، وقد يتخلى عمن كان يتقرب إليه إذا وجد أن مصلحته أصبحت في اتجاه آخر. ولذلك، فإن الاعتماد على التملق باعتباره دليلًا على الإخلاص خطأ إداري قد تكون عواقبه مكلفة.
فالولاء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الثناء، ولا بعدد الأخبار التي ينقلها الموظف عن زملائه، بل بالأمانة في أداء العمل، واحترام القواعد، وتحمل المسؤولية، والقدرة على قول الحقيقة حتى عندما لا تكون مريحة.
حين يُظلَم المجتهد.. تخسر المؤسسة قبل الموظف
إن أخطر نتائج النفاق الوظيفي لا تتوقف عند خلاف بين موظف وزميله، بل تمتد إلى معنويات فريق العمل بأكمله.
فعندما يشعر الموظف المجتهد أن جهده لا يُقدَّر، وأن الفرص تُمنح بناءً على العلاقات والتملق بدلًا من الإنجاز، تتراجع ثقته في منظومة التقييم، وقد يفقد حماسه للتطوير والمبادرة.
وعندما تنتشر الشكوك بين الزملاء، تتراجع روح الفريق، ويصبح كل موظف منشغلًا بحماية نفسه بدلًا من التعاون مع الآخرين. وفي النهاية، تدفع المؤسسة ثمنًا باهظًا من الإنتاجية والاستقرار والقدرة على الاحتفاظ بالكفاءات.
إن الموظف المخلص لا يحتاج إلى أن يراقب الآخرين كي يثبت جدارته، ولا يحتاج إلى التقليل من شأن زميله كي يرفع من مكانته. فالكفاءة الحقيقية تفرض نفسها بالعمل، والنجاح المستحق لا يحتاج إلى أبواب خلفية أو كلمات منمقة تُقال في غياب أصحاب الشأن.
ولهذا، فإن محاربة النفاق الوظيفي لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بوضع معايير عادلة للتقييم والترقي، وفتح قنوات آمنة لتقديم الشكاوى، والتحقق من المعلومات قبل اتخاذ القرارات، ومحاسبة كل من يسيء استخدام سلطته أو يستغل ثقة المسؤول لتحقيق مصالح شخصية.
كلمة أخيرة
إن المؤسسات لا تنهض بكثرة المتملقين حول مكاتب المسؤولين، بل تنهض بأصحاب الكفاءة والأمانة والضمير الحي. ولا تُقاس قوة المدير بعدد من يمدحونه، بل بقدرته على تحقيق العدالة، وحماية فريقه من الظلم، والاستماع إلى الحقيقة مهما كانت صعبة.
فإذا أصبح النفاق وسيلة للصعود، والوشاية طريقًا لاكتساب الثقة، والإخلاص سببًا للتهميش، فالمشكلة لم تعد في موظف يتملق أو آخر ينقل الكلام فحسب، بل أصبحت في منظومة تحتاج إلى مراجعة جادة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في بيئة العمل ليس أن يتقدم موظف أقل كفاءة، بل أن يفقد الموظف الكفء إيمانه بأن الإخلاص يستحق التقدير.
وحين يحدث ذلك، لا يخسر الموظف وحده، بل تخسر المؤسسة ضمائر أبنائها، وتدفع ثمنًا قد لا يظهر اليوم، لكنه يتراكم حتى يصبح إصلاحه أكثر صعوبة.
فالكفاءة تصنع النجاح، والأمانة تحميه، أما النفاق فقد يصنع صعودًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع احترامًا حقيقيًا.
✍️ محمود سعيد برغش
الكلمة أمانة، والقلم لازم يقول الحقيقة.








