صدى مصرمقالاتمنوعات

حين ينتصر القانون للإنسان في الحرب

حين ينتصر القانون للإنسان في الحرب

 

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش

محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان. غزة – فلسطين

الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2026م

عندما تبدأ الحرب، لا يسأل الطفل عن المادة القانونية التي تحميه، ولا تبحث الأم عن رقم اتفاقية دولية؛ كل ما يريده الإنسان في تلك اللحظة هو مكان آمن، وليل يمر دون خوف، وصباح يجد فيه من يحبهم إلى جواره. في الحرب، يصبح الأمان حلمًا بسيطًا، بينما تتحول الحياة اليومية إلى انتظار طويل لما قد يأتي به الخبر التالي.

لكن خلف هذا الخوف الإنساني سؤال أكبر من كل مشهد: أين يكون القانون عندما يصبح الإنسان في أضعف حالاته؟

لقد عرف العالم منذ زمن طويل أن الحرب لا يمكن أن تكون مساحة بلا حدود، وأن الإنسان لا يفقد حقوقه لمجرد أن النزاع المسلح بدأ. ومن هنا نشأ القانون الدولي الإنساني، لا ليمنع الحروب كلها، وإنما ليضع حدودًا للعنف ويحمي من لا يشاركون في الأعمال العدائية، وفي مقدمتهم المدنيون.

فالمدني ليس طرفًا في المعركة، ولا ينبغي أن يتحول إلى هدف أو رقم في حسابات القوة. وحين يكون بين المدنيين طفل أو مريض أو جريح أو مسن أو أسرة تبحث عن مأوى، فإن مسؤولية الحماية تصبح أكثر إلحاحًا، لأن الإنسان في هذه اللحظة لا يملك إلا أن يتمسك بالقاعدة التي تقول إن للإنسان كرامة لا تسقط في زمن الحرب.

ولهذا جاءت قواعد القانون الدولي الإنساني، ورسخت اتفاقيات جنيف لعام 1949 وغيرها من القواعد الإنسانية، مبادئ أساسية لحماية المدنيين والحد من آثار العمليات العسكرية. فالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر، ليست مصطلحات قانونية للعرض في الكتب، وإنما حدود وُجدت لأن حياة الإنسان لا يجوز أن تصبح تفصيلًا هامشيًا في حسابات الحرب.

غير أن أصعب امتحان للقانون لا يبدأ عند صياغة القاعدة، بل عند لحظة تطبيقها.

فقد يكون القانون واضحًا، وقد تكون الاتفاقيات موجودة، وقد تكون الالتزامات الدولية معلنة، لكن السؤال يبقى قائمًا: ماذا يحدث عندما لا يصل القانون إلى الإنسان الذي يحتاج إليه؟

هنا تتسع المسافة بين النص والواقع.

فالمدني الذي فقد منزله لا يحتاج إلى بيان جديد بقدر ما يحتاج إلى حماية، والأسرة التي نزحت لا تحتاج فقط إلى التعاطف، وإنما إلى مأوى وأمان، والطفل الذي يعيش الخوف لا يحتاج إلى كلمات عن الكرامة بقدر ما يحتاج إلى أن تُحترم كرامته بالفعل.

ومن هنا، تصبح قيمة القانون مرتبطة بقدرته على الانتقال من الورق إلى الحياة.

إن أخطر ما يواجه العدالة ليس وقوع الانتهاك وحده، وإنما اعتياد الانتهاك والإفلات من المسؤولية. فعندما تمر الانتهاكات دون مساءلة، لا تنتهي الجريمة عند حدود الضحية، بل قد تمتد آثارها إلى المستقبل، لأن غياب المحاسبة قد يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة تستطيع تجاوز القانون.

ولهذا فإن المساءلة ليست انتقامًا، بل حماية للمستقبل. وهي ليست عقوبة للضحية، بل ضمانة بألا تتحول المأساة إلى سابقة تتكرر.

لكن العدالة لا تكون عادلة إذا أصبحت مرتبطة بقوة الضحية أو بجنسية المعتدي أو بموقع النزاع على خريطة المصالح الدولية. فالدم الإنساني لا يحمل جنسية، وكرامة الإنسان لا تتغير بتغير الحدود، والطفل الذي يولد في منطقة نزاع لا تقل قيمته الإنسانية عن طفل يعيش في أكثر الأماكن أمنًا.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لضمير العالم: هل يستطيع أن يحمي الإنسان لأنه إنسان؟

فإذا كان القانون يحمي الأقوياء عندما تكون مصالحهم مهددة، ثم يتردد عندما يكون الضحية ضعيفًا، فإن المشكلة لا تكون في القانون نفسه، وإنما في الطريقة التي يُستخدم بها.

وفي الحروب الحديثة، لم يعد الخطر محصورًا في لحظة القصف أو المواجهة المباشرة. فقد تمتد آثار النزاع إلى الماء والغذاء والصحة والتعليم والمأوى والبنية التحتية، وقد يصبح فقدان مستشفى أو مدرسة أو مصدر للمياه جزءًا من مأساة يومية طويلة. ولهذا فإن حماية المدنيين ليست مجرد منع استهدافهم، وإنما حماية الظروف التي تجعل حياتهم ممكنة.

ومن هنا لا يمكن أن تبقى حماية الإنسان مسؤولية المؤسسات العسكرية والسياسية وحدها. فالقانون يحتاج إلى مجتمع يعرفه، والإنسان يحتاج إلى وعي يمكنه من فهم حقوقه، والمؤسسات تحتاج إلى ثقافة قانونية تجعل احترام القواعد جزءًا من السلوك العام.

وهنا يأتي دور القانونيين والباحثين والمدربين والإعلاميين؛ فالكلمة التي تشرح حقًا قد تكون بداية حماية، والمعرفة التي تمنع جهلًا بالقانون قد تكون خطوة نحو الوقاية، والوعي الذي يرفض الظلم يمكن أن يتحول مع الوقت إلى ثقافة تحاصر الانتهاك.

وهذا هو الطريق من الوعي القانوني إلى العدالة الإنسانية: أن يعرف الإنسان حقه، وأن يؤمن المجتمع بقيمته، وأن تلتزم المؤسسات بحمايته، وأن يجد من ينتهك حقه قانونًا قادرًا على المساءلة.

في النهاية، لا تُختبر قيمة القانون عندما تكون الحياة آمنة، وإنما عندما يهتز كل شيء من حول الإنسان. هناك، وسط الخوف، يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله: هل القانون مجرد نص نعود إليه بعد انتهاء الحرب، أم أنه درع يجب أن يحضر أثناءها؟

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات عن كرامة الإنسان بقدر ما يحتاج إلى إرادة تجعل هذه الكرامة حقيقة. ولا يحتاج المدني إلى أن يسمع أن القانون يحميه، بل إلى أن يشعر بهذه الحماية في حياته وبيته وطفولته ومستقبله.

وحين يصبح المدني محميًا لأنه إنسان، لا لأن وراءه دولة قوية، وحين تصبح المساءلة قاعدة لا استثناءً، وحين يتحول الوعي بالقانون إلى ممارسة تحمي الضعيف قبل القوي، عندها فقط ينتقل القانون من النص إلى العدالة.

فالقانون لا ينتصر حقًا عندما ينتصر على خصم، وإنما عندما ينتصر للإنسان. وحين يحمي الإنسان في أضعف لحظاته، تكون الإنسانية نفسها قد انتصرت.

زر الذهاب إلى الأعلى