(( نحن بطيئون في تصديق ما يصعب تصديقه))
كان صوت المطر الرتيب وهو يتقاطر على نوافذ الغرفة لحنًا جنائزيًا يليق بما آل إليه بحثه من طريق مسدود.
أتعلم يا چيمي؟
كانت قصة متوهجة في رأسي منذ أن عرفت بها، قصة لم أفكر بها من الناحية الواقعية، فكرت بها من الناحية الحسية فقط، يُقال أنها قصة أسطورية حدثت في البرتغال، في البداية صدقتها وشرعت أن أكون مثل بطل القصة في نصفها الأول.
سأقص عليك يا چيمي :
القصة أو الأسطورة تقول أن هناك رجل يصنع الألعاب النارية في قريته، كان يبيعها ويُعجب بها الزبائن، ويسير في الطرقات بين الأزقة والحواري، لم يكن يعلم أنهم يشترونها منهم إلا بسبب تلك الفاتنة التي تسير معه، زوجته، كانت فائقة الجمال، جميلة الصدر والقد، شعر كستنائي مثير ، عيون بنيه واسعه، كان زوجها يفتخر بجمالها في كل وقت وكل حين، وفي كل مكان وكل مناسبة.
ذاك هي النصف الأول منها.. لم أبالي بوصف الزوج ولا ملامحه ولا كيف تزوجها!،كل ما فكرت فيه كيف أصل لمثل تلك الحسناء في الواقع، كيف أعثر عليها وخاصة انا مثله فقير، لست وسيما، ولكن بالتأكيد مثله، فكرت في القلب، قد يكون عطوفا عليها، قلبه أكبر من فقره، قد يكون لديه مسكن بسيط وهي متشردة من عائلة ضائعة، مهلا، الاحتمالات كثيرة والأفكار تنساب مثل الشلال وتسقط في البحيرة.
لنعد إلى القصة أو الأسطورة يا جيمي:
كانا في مصنع الألعاب النارية، ليس مصنع بالمعنى الدارج، لنقل أنها مساحة صغيرة تحت السلم ، أو بدروم في إحدى البنايات، أو مسكنهما وقد حولوه إلى مركز إنتاج، لا يهم، المهم اثناء صناعته للألعاب النارية، البارود ينفجر، انفجارا هزت له أركان البيت، وماذا كانت النتيجة كما تقول الأسطورة؟ ، تلك النتيجة التي لم أحبها وذكرت صفو تفكيري ،أن الزوجة احترقت، تشوه وجهها وصدرها، واحترق شعرها بعد كان مصدر لإشعال الحرائق في صدور الرجال، صار لا يعني شيئا، احترق الجمال، واحترق معها القلوب،
أما الزوج؟، لن تصدق، صار كفيفا، أعمى بعد أن كان بصيرا ، انطفأت نور عينيه، لم يعد يرى جمال زوجته ولا فرحة الأطفال بألعابه.
بقية القصة يا چيمي:
ظلا يسيران في الشارع يتسولان معا، هي دليلته في نفس الطرقات، المدهش أنه ما زال يتغنى بجمالها، وهي تبكي بحرقة، يسألون الناس رغيف اليوم ، من رآهم من قبل يعرف حكايتهم، وظلت تتنقل الحكاية عبر الألسنة وعبر الشوارع ومن بيت إلى بيت وفقدت واقعيتها حتى صارت أسطورة، خلاصتها أن ما بين البهجة والعتمة.. حياة.
أتدري يا چيمي:
ظلت القصة بنصفها الأول حبيسة الرأس، المرأه المثيرة، كيف اصطادها؟
ولم أتعلم شيئا من نصفها الثاني، وكأن العقل رافض للواقع ومتيم بالوهم،حتى في لحظة صفاء وهدوء نفس أضفت للقصة ما يعطيها صفة الواقعية.. كالآتي :
تلك امرأة لعوب، مثيرة، قد تكون عملت كخادمة في البيوت، ابن صاحب البيت اغواها، وحدث بينهما ما حدث، قد نبتت في أحشائها ثمرة الخطيئة، وبعد المواجهة تركها، وهي هربت وأجهضت نفسها، وبينما تسير متشردة في الحواري، وجدت من سمعها، لم تجد إلا ذلك الشاب البسيط الذي يصول ويجول في الشوارع، وحكت له قصتها المؤلمة، اخذته الشهامة وتزوجها.
تمر الليالي والأيام والشهور وهي في حالة بائسة، والكل يسأل : كيف لتلك الحسناء أن تكون زوجة الصعلوك؟
هي الأخرى بعد أن أفاقت من غيبوبتها كرهت حياته الفقيرة، ولعب الشيطان برأسها للتخلص منه، بعود كبريت فجرت المكان وأصابها ما أصابها.
تلك واقعية أكثر.. أليس كذلك يا چيمي؟
احب ان اعرَفكم بصديقي الوفي ، چيمي، الوحيد الذي يسمعني ، ولا يتكلم، فقط ينبح، لا تقل عليه أنه مجرد كلب، قل صديقي الوفي، الوحيد الذي بقي معي بعد أن هجرتني زوجتي في ليلة ما، وكل ليلة احكي لچيمي القصه بلا كلل ولا تعب ولا ملل، عالقا معي في تلك المنطقة الرمادية بين اليقظة والهلوسة.








