نبيل أبوالياسين: «سيد الفيتو» وتحذيرات كاليفورنيا.. أوكرانيا تنبذ سلام الغرب وتطلب «عدالة الشرق»
إن ما كشفه السيناتور بيرني ساندرز ليس مجرد «أرقام اقتصادية»، بل هو «اعتراف نخبوي» من داخل الكونغرس بمنطق «مافيا العائد الرأسمالي» التي تحول الحروب إلى «ماكينة صراف آلي».
عندما يقفز ربح «إكسون» 130% و«شيفرون» 185% بينما يئن المواطن الأمريكي تحت وطأة «غلاء البنزين» 39%، نحن أمام حقيقة سقط عنها القناع: «ثنائي الفوضى» لم يشعل الحرب ليعيد رسم الشرق الأوسط، بل لهندسة «التربح من الدم».
وهنا تتجلى «اقتصاديات الكارثة»: «هرمز» اليوم مغلق بمفتاحين، «مفتاح إيراني» بعد قصف 28 فبراير، و«مفتاح أمريكي» بحصار الموانئ منذ 13 أبريل تحت اسم «مشروع الحرية»، والنتيجة 2000 سفينة عالقة و20% من نفط وغاز العالم محجوز.
أن يدار هذا «الإغلاق المزدوج» ثم تتحول كارثته إلى «جنون أرباح» لشركات نفط يملك ترامب أسهما فيها، فتلك ليست «سياسة» بل «إدارة مافياوية للأزمة».
إنها الحقيقة التي يدفع فاتورتها 8 مليارات إنسان، بينما تجني طبقة سياسية تحولت إلى «مافيا دولية» لا تعرف الجغرافيا ولا ترحم الفقراء أرباحها من فوق أنقاض الشعوب.
«هندسة الفوضى المزدوجة» و«استحواذ الدولة»: حين تُدار الحرب والأصوات بمصباح واحد
بعدما كشف السيناتور بيرني ساندرز عن «التربح من الدم» في مضيق هرمز، فإن ما يجري اليوم في كاليفورنيا يكشف أن اليد نفسها التي تدير أزمة الطاقة في الخارج، هي التي تشعل أزمة «التزوير الوهمي» في الداخل.
فإذا كانت «الفوضى» هي العنوان، فإن «هندسة الأزمات المزدوجة» هي الآلية. أزمة حرب في هرمز تبرر حصار موانئ إيران وترفع أرباح «إكسون» و«شيفرون» بنسبة 130% و185% وفق «رويترز»، وأزمة «تصويت غير المواطنين» تبرر مطاردة سجلات الناخبين والتهديد بمصادرة بطاقات الاقتراع قبل التصديق على نتائج انتخابات التجديد النصفي.
وهنا يتكشف «استحواذ الدولة»: أن تُحوَّلَ مواردُ الدولة، «النفط في الخارج» و«الصوت في الداخل»، إلى أداة ربح وبقاء. فكما أن الحرب رفعت وفق تقديرات نقلتها «بلومبرج» عن ديمقراطيين في الكونغرس أسهم ترامب بنحو 35.8 مليون دولار، فإن «أزمة التزوير» قد تعيد ترتيب الكونغرس لصالحه. إنها «اقتصاديات البقاء السياسي»، حيث تصنع الأزمة، ثم تشترى نتيجتها.
الخلاصة: ليست مجرد «مافيا» بالمعنى التقليدي، بل هي «دولة مستحوذ عليها» بمنطق المافيا، إدارة منتخبة تستخدم سلطات الطوارئ لتحويل الحرب إلى ربح، والصندوق إلى ختم. وبين تحذير ساندرز من «أصحاب المليارات» وتحذير نيوسم من «مصادرة البطاقات»، تتضح الحقيقة: الوجه واحد، واليد واحدة، والهدف واحد، تحويل الدم والصوت إلى سلطة.
«صوت في الصحراء» و«آليات الانفصام الدستوري»: حين تفرغ الدولة من محتواها لتبقى ماكينة الطوارئ
إن تحذير حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم لرؤساء المحاكم الجزئية الفيدرالية من محاولة ترامب الاستيلاء على أوراق الاقتراع، يبدو كـ«صوت يصدح في صحراء خاوية»، لا لأنه بلا صدى، بل لأن المؤسسية الديمقراطية نفسها تتآكل من الداخل. فحين يستعد ملايين الناخبين الأمريكيين لانتخابات التجديد النصفي، تسقط أوهام «البطة العرجاء»، ويتكشف أننا أمام «عبث ترامبي إدراكي» يكسر قواعد اللعبة القديمة.
هذا الانفصام بين تحذيرات نيوسوم من الداخل، ومحاولات فرض السيطرة على الصندوق، يثبت أن اليد التي هندست إغلاق «هرمز» لجني أرباح «إكسون» و«شيفرون»، هي ذاتها التي تُهندس اليوم «السطو على الصندوق». إنها «دولة الطوارئ المافياوية الترامبية»: يُترك الدستور لصدى الصحراء، بينما يُعاد تدوير أصوات الناخبين وأرواح الشعوب في ماكينة واحدة، لتحويل الدم والصوت إلى سلطة مطلقة.
الخلاصة: لقد طالما صدعونا بمحاضراتهم عن الديمقراطية ونزاهة الانتخابات، وتدخلوا في شؤون الدول تحت مسمى «مراقبة الانتخابات»، وهم اليوم ينتهكونها في عقر دارهم. لقد فضح ترامب وعرّى الإمبراطورية الأمريكية أمام العالم، ويدمّر دولة المؤسسات ليحوّلها إلى مافيا دولية. فعندما حذرنا من عودته للسلطة، لم تكن عودته إلا لتدمير الولايات المتحدة والعالم بأسره. لم يكن ذلك عبثاً، بل جاء انتقاماً بعد موجة السخرية التي لحقت به عقب خسارته أمام جو بايدن. وحين يصبح الصندوق ختمًا، والدستور صدىً، والطوارئ قاعدةً دائمة، فإن السؤال لم يعد: هل تُحترم الانتخابات؟ بل: من يملك حق إعلان النتيجة قبل أن تُفرز؟.
«عبث جغرافيا الابتزاز» و«سماء السيادة الموصدة»: حين يتحول الإقليم إلى «صندوق انتقام» لطبقة إبستين
إن ما نراه اليوم من تفكك بنيوي في عقر دار الإمبراطورية ليس سوى مرآة عاكسة لـ«العبث الإدراكي الترامبي» الذي انتقلت عدواه من كواليس الداخل الأمريكي لتكوي بنيرانها استقرار المنطقة بأسرها. لقد حذرنا مراراً وتكراراً من أن أمن واستقرار 400 مليون عربي لا يصح ولا يجب أن يبقيا رهينة في يد «طبقة إبستين» ومزاجية عابثة. فذلك الأرعن هو من حرضه حليفه الاستراتيجي نتنياهو على مغامرته العسكرية الانتحارية ضد إيران، متوهمين أنها لن تستغرق سوى أيام معدودة للإجهاز على نظام طهران. فإذا بها تدخل شهرها العاشر لتنتهي إلى «هزيمة مذلة» شاهدها العالم بأسره، بما فيهم الأمريكيون أنفسهم، وليصبح الكوكب بأسره رهينة لتداعيات تلك المغامرة العبثية.
وأمام هذا التابلوه المأزوم، نتوجه برسالة واضحة إلى «صحراء الفرجة الغربية»: إلى متى تلتزمون هذا الصمت المريب إزاء هذا «العبث المختل جيوسياسياً»؟ إنكم لستم متفرجين، بل أصبحتم الضحية الأولى؛ فالحكومات الأوروبية اليوم تواجه طوفاناً من غضب الشعوب وثورات العراء بسبب الغلاء وجنون أسعار الطاقة التي هي في جوهرها «صنيعة ترامب وابتزازه»، وليست قدراً محتوماً.
ومن هنا ترتفع صرخة «السيادة المطلقة» من قلب العالم العربي لتطلق «نداء اللا-سيادية»: لا لاستخدام الأجواء العربية بعد اليوم في أي مغامرة يقوم بها ترامب لإرضاء حليفه المبتز بـ«ملفات إبستين»، ولتُعلن «الصدمة السيادية الكبرى»: سماءنا لن تكون ممراً للحروب. فالتدقيق الاستراتيجي ينذر بأن أي ضربة أمريكية مقبلة ضد إيران — سواء جاءت كـ«ضربة انتقامية» إن خسر الانتخابات النصفية، أو كـ«ضربة تتويجية» إن فاز — لن تكون سوى ضرب من الجنون الصرف، وكأن المنطقة تحولت إلى «ساحة تدميرية» يصب فيها هذا الأرعن غضبه أو احتفالاته بالصواريخ. إنها لن تؤدي سوى إلى حريق شامل تدفع منطقتنا وحدها ثمنه الباهظ.
لذا، فإن الواجب التاريخي يفرض على كل من يمتلك ذرة تأثير على هذا المختل أن يردعه بكل قوة، لتبقى القاعدة الحاكمة أبد الدهر: «لا السيادية.. وسماء الأمة خط أحمر لا يوطأ».
«فخ السيد» و«الانتحار السياسي»: حين يتحول الفيتو من سلاح إلى نهاية
إن إعلان ترامب اعتزامه أن يصبح «سيد الفيتو» إذا استعاد الديمقراطيون الكونغرس، ليس إعلان قوة، بل هو «اعتراف مبكر بالشلل». فالفيتو ليس أداة حكم، بل هو «آلة تعطيل» تكشف أن الرئيس لم يعد يملك القدرة على بناء التوافقات. من يهدد بإغلاق الدولة ليمنع خصومه، إنما يعلن «انفصامه عن الواقع الإداري»؛ فالدولة ليست كشكاً في الشارع يُدار بالانتقام، بل هي مؤسسة تحتاج إلى عقل رشيد.
وهنا يتحقق «فخ السيد»: عندما يعطل ترامب الميزانيات والخدمات، فإن الغضب الشعبي لن يتوجه إلى الكونغرس، بل سيتوجه إلى «المُعطِّل» الذي يحاول شل البلاد لإنقاذ كرسيه. وهذا ما سيعجل بعزلته المزدوجة: عزلة سياسية داخل حزبه الذي سيخشى الهزيمة، وعزلة شعبية ستنفجر في الشوارع. لقد حذرنا من أن عودة ترامب كانت «انتقامية»، واليوم يكشف هذا الوجه الانتقامي عن اختلال عميق لا يصلح لإدارة دولة، بل يصلح فقط لتدميرها.
الخلاصة: «سيد الفيتو» ليس لقباً يمنح القوة، بل هو «شهادة وفاة» سياسية لمن يظن أن بإمكانه تعطيل إرادة الشعب. ومن يلعب بالنار لحرق خصومه، ستحرقه النار نفسها.
«نزوح الشرعية» و«رافعة السلام العادل»: حين يُلبي زيلينسكي النداء من الشرق
في تطور يعكس سقوطاً مدوياً لـ«الوصاية الأمريكية»، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده للقاء بوتين في تركيا، طالباً وساطة أنقرة لإنهاء الحرب. هذا التحول ليس مجرد تغيير تكتيكي في الموقف الأوكراني، بل هو «نزوح الشرعية» من واشنطن نحو الشرق؛ فبعد أن راهن على «الحماية المستأجرة» فخسر، يبدو أن زيلينسكي لبى أخيراً النداء الذي أطلقناه سابقاً: إن أردتم السلام العادل، فاطرقوا أبواب العواصم العربية والإسلامية، لا أبواب «حاضنة الحرب» في واشنطن.
لقد أدركت كييف أن «رافعة السلام العادل» لا تُصنع في الغرب الذي يغذي الصراع، بل في الشرق الذي يمتلك النزاهة والإنسانية. فتركيا، بموقعها السيادي وعلاقاتها المتوازنة، تُجسد اليوم «الجغرافيا الناجية» التي تنتشل العالم من عبث «طبقة إبستين». إن هذا التوجه يؤكد أن «الانعتاق من عباءة الوصاية» بدأ يتحقق، وأن السلام الحقيقي لا يأتي من صواريخ الناتو، بل من «مائدة الجيرة» العربية والإسلامية التي طالما نادينا بها.
الخلاصة التأسيسية:
«العدالة الإدراكية» لا تعرف الجغرافيا، و«الضمير السيادي» لا يسكت عن دماء الأبرياء، سواء سالت في غزة، أو هافانا، أو أوكرانيا. فإن «فيتو القتل» و«دولار التجويع» و«حرب الابتزاز» ليست إلا أوجهًا لعملة واحدة يديرها «ثنائي الفوضى». فإذا كانوا يُهندسون الحروب ويصنعون «الوصاية الممزقة»، فنحن نُهندس «السيادة» ونبني «رافعة السلام العادل» من العواصم العربية والإسلامية، لأن السيادة لا تُستجدى، والسلام لا يُستورد من واشنطن.
وقع القلم… وسقطت أوهام «الحماية المستأجرة» الأمريكية في الغرب والشرق، وبقيت «البوصلة العربية» هي الملاذ الوحيد للسلام العادل في العالم.








