عاطف زايد يكتب ..
رؤية المفكر علي الشرفاء بخصوص الزكاة…. مشروع متكامل لإعادة بناء الإنسان وحمايته من العوز وصون كرامته
-ليس أخطر ما يفعله الجوع بجسد الإنسان أنه ينهكه، وإنما أخطر ما يفعله بكرامته وأخلاقه وقدرته على مقاومة الحاجة.
فالإنسان حين يفقد ضروريات الحياة لا يبقى الصراع عند حدود المعدة؛ يتحول إلى صراع على البقاء. وقد يضطر الفقير إلى ما كان يرفضه، ويبيع ما لا يريد بيعه، ويقبل ما لا يقبل به الإنسان حين يكون مستورًا مكتفيًا.
ولهذا فإن مكافحة الفقر ليست مجرد سياسة اقتصادية، وليست عملًا خيريًا موسميًا؛ إنها مسؤولية أخلاقية وأمن اجتماعي.
فالقرآن لم يجعل المال غاية في ذاته، وإنما جعله وسيلة لإقامة حياة كريمة، وأرسى مبدأ التكافل في قوله تعالى:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
فالمال الذي يفيض عن حاجة صاحبه لا ينبغي أن يعيش صاحبه في عالم، بينما يعيش إنسان آخر على هامش الحياة.
*ومن هنا تأتي أهمية الرؤية التي طرحها المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي بخصوص الزكاة*
فالزكاة في هذه الرؤية ليست مجرد إخراج مال ينتهي أثره بمجرد تسليمه، وإنما يمكن أن تكون مشروعًا لإعادة بناء الإنسان وحمايته من العوز وصون كرامته.
المطلوب أن تتحول الزكاة من فعل فردي متفرق إلى منظومة اجتماعية منظمة، تصل إلى مستحقيها، وتساعد الأسرة على تجاوز الحاجة، وتوفر للإنسان فرصة للعمل والإنتاج، وتحمي الأطفال من التشرد، والغارمات من السجن، والمريض من العجز، والأسرة من الانهيار.
إن أعظم ما يمكن أن تفعله الزكاة ليس أن تمنح الفقير مالًا فحسب، بل أن تقول له: أنت لست منسيا، وكرامتك مسؤولية المجتمع.
وهنا يصبح مفهوم «الحياة الكريمة» أوسع من توفير الطعام؛ فهي تشمل المسكن الآمن، والعلاج، والتعليم، والعمل، وحماية الأسرة، وتمكين الإنسان من أن ينتقل من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه على مجتمعاتنا ليس:
كم أنفقنا على الفقراء؟
بل:
كم إنسانًا أخرجناه من الفقر؟ وكم أسرة حفظنا كرامتها؟ وكم طفلًا أنقذناه من التشرد؟ وكم إنسانًا أعطيناه فرصة ليعتمد على نفسه؟
إننا إذا أردنا مجتمعًا مستقرًا، فعلينا أن نفهم أن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا.
فالجائع لا يحتاج إلى موعظة عن الصبر بقدر حاجته إلى طعام، والمريض لا يحتاج إلى خطاب عن الرضا بقدر حاجته إلى علاج، والغارم لا يحتاج إلى إدانته بقدر حاجته إلى من يرفع عنه الدين، والفقير لا يحتاج إلى إهانة صدقة عابرة بقدر حاجته إلى طريق يعيده إلى الحياة.
*وهنا تلتقي رسالة القرآن مع مشروع الزكاة الذي يدعو إليه الشرفاء الحمادي* الإنسان أولًا، وكرامته قبل كل شيء.
فالزكاة ليست خصمًا من ثروة الأغنياء؛ إنها حق للفقراء، وتطهير للمجتمع من أسباب الحقد والانكسار والاضطراب.
وإذا كان الجوع قادرًا على دفع الإنسان إلى حافة السقوط الأخلاقي، فإن صون كرامته قادر على إعادة الأمل إليه.
لذلك فإن بناء مجتمع لا يجوع فيه إنسان ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو مشروع حضاري وأخلاقي وإنساني.
فالأمم لا تقاس فقط بعدد أبراجها ومطاراتها وحجم ثرواتها، وإنما تُقاس أيضًا بعدد الذين يعيشون فيها دون خوف من الجوع، ودون إذلال الحاجة، ودون أن يضطر إنسان إلى بيع كرامته كي يعيش.
تلك هي الزكاة حين تتحول من عبادة فردية إلى مشروع حياة؛ وذلك هو معنى أن يكون للمال رسالة، وللغنى مسؤولية، وللمجتمع ضمير.








