مقالات

كيف ساهمت سياسات طهران في تعميق أزمات المنطقة العربية؟

بقلم: الدكتورة الباحثة كنانة خلف الكردي
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، شكّل توسيع النفوذ الإقليمي أحد المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية. وقد اعتمدت طهران في هذا المسار على بناء شبكة من الجماعات المسلحة والحلفاء المحليين في عدد من الدول العربية، وهو ما أدى، وفق العديد من الدراسات والتقارير الدولية، إلى تحويل عدد من الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية معقدة تجاوزت حدود الدول المعنية.
وتتمثل الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية في دعم جماعات مسلحة غير تابعة للدول الوطنية. وتشير تقارير دولية إلى أن قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني لعبت دوراً محورياً في تقديم التدريب والتمويل والتسليح لعدد من التنظيمات المنتشرة في لبنان والعراق واليمن وسوريا والأراضي الفلسطينية. وترى هذه التقارير أن الهدف من هذه السياسة يتمثل في تعزيز النفوذ الإيراني وخلق أوراق ضغط إقليمية تسمح لطهران بالتأثير في موازين القوى داخل المنطقة.
في لبنان، يمثل «حزب الله» المثال الأبرز على هذا النموذج. فعلى مدى عقود تحول الحزب من تنظيم مسلح إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في الحياة اللبنانية. ويرى عدد من الباحثين أن وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة أسهم في إضعاف مؤسسات الحكم وزاد من تعقيد الأزمات السياسية المتكررة التي شهدها لبنان، كما جعل البلاد ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
أما في العراق، فقد تعزز نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران بعد عام 2003، وأصبح لهذه التشكيلات حضور سياسي وأمني واسع. وقد أدى تعدد مراكز القوة المسلحة إلى زيادة التوترات الداخلية وإضعاف سلطة الدولة المركزية في العديد من المحطات، الأمر الذي انعكس على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للبلاد.
وفي اليمن، تحوّل الصراع إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم. وتحدثت تقارير إعلامية ووثائق مختلفة عن دعم إيراني للحوثيين عبر شبكات تهريب وتسليح وتدريب، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة. وتذهب بعض التحليلات إلى أن اليمن أصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع يتجاوز حدوده الوطنية.
كما لعبت طهران دوراً مؤثراً في سوريا خلال سنوات الحرب، عبر دعم النظام السوري وتجنيد فصائل مسلحة متعددة الجنسيات. وقد ساهم ذلك في تدويل الصراع السوري وتحويله إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، مع ما رافق ذلك من خسائر بشرية واقتصادية هائلة ونزوح ملايين السوريين.
ويرى منتقدو السياسة الإيرانية أن تصدير الأزمات إلى الخارج لم يكن منفصلاً عن التحديات الداخلية التي تواجهها السلطة في إيران. فبعض الوثائق والتصريحات التي جرى تداولها في السنوات الماضية ربطت بين تنامي التدخلات الإقليمية وبين سعي النظام إلى تخفيف الضغوط الداخلية وصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل البلاد.
وفي المحصلة، فإن الجدل حول الدور الإيراني في المنطقة لا يزال قائماً بين من يراه دعماً لمحور سياسي وعسكري يواجه خصوم طهران، وبين من يعتبره عاملاً رئيسياً في إضعاف الدول الوطنية العربية وإطالة أمد النزاعات المسلحة. لكن ما يبدو واضحاً أن العديد من الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بوجود جماعات مسلحة مدعومة من إيران، الأمر الذي جعل تحقيق الاستقرار الإقليمي مرهوناً بمعالجة هذه التشابكات الأمنية والسياسية المعقدة.

زر الذهاب إلى الأعلى