الدين و الحياةمقالات

عبد الرحمن الداخل. كيف صنع صقر قريش أعظم دولة في الغرب الإسلامي؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

عبد الرحمن الداخل.

كيف صنع صقر قريش أعظم دولة في الغرب الإسلامي؟

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ليست أعظم الإنجازات أن ينجو الإنسان من الموت. بل أن يحوّل نجاته إلى تاريخ. فكم من رجال أفلتوا من سيوف أعدائهم، ثم ابتلعتهم الأيام فلم يبق لهم أثر. وكم من دول انهارت فسقطت معها أسماؤها، ولم يبق منها إلا صفحات في كتب المؤرخين.

لكن التاريخ يعرف رجالًا من طراز آخر. رجالًا إذا ضاقت بهم الأرض، وسّعوا حدودها، وإذا أغلقت في وجوههم أبواب المشرق، فتحوا لأنفسهم أبواب الغرب، وإذا سقطت دولتهم، لم يبكوا أطلالها، بل بنوا فوق أنقاضها دولة جديدة.

وهذا ما فعله عبد الرحمن بن معاوية. لقد خرج من دمشق أميرًا مطاردًا. ووصل إلى الأندلس رجلًا لا يملك سوى اسمه. لكن بعد سنوات، أصبح مؤسسًا لدولة ستبقى قرابة ثلاثة قرون، وستحول قرطبة إلى واحدة من أعظم مدن العالم.

عبد الرحمن الداخل. كيف صنع صقر قريش أعظم دولة في الغرب الإسلامي؟

حين دخل عبد الرحمن الداخل قرطبة سنة 138 للهجرة، لم يكن قد كسب الأندلس كلها.

لقد كسب معركة. أما الدولة، فلم تكن قد وُلدت بعد.

كانت الأندلس يومئذٍ أشبه بفسيفساء مضطربة؛ قبائل عربية تحمل معها خصومات المشرق، وبربر يطالبون بنصيبهم من النفوذ، وولاة يحكم كل واحد منهم إقليمه وكأنه أمير مستقل، ومدن تختلف ولاءاتها باختلاف المصالح والتحالفات.

وكان سقوط يوسف الفهري في المعركة لا يعني أن أنصاره اختفوا. بل إن كثيرًا منهم ظلوا يرون أن حكم الداخل طارئ، وأن الفرصة ستأتي لإسقاطه.

ولذلك، لم تمضِ أشهر قليلة حتى بدأت الثورات تتجدد في أكثر من ناحية، واضطر عبد الرحمن إلى أن يقضي سنواته الأولى متنقلًا بين ميادين القتال، لا لفتح بلاد جديدة، بل للحفاظ على البلاد التي دخلها.

وكان يدرك أن السيف وحده لا يصنع دولة. فكم من قائد انتصر في معركة، ثم ضاعت دولته لأنه عجز عن كسب الناس. ولهذا، جمع بين الحزم والسياسة.

فإذا وجد خصمًا لا يزيده العفو إلا تمردًا، حسم أمره بالقوة. وإذا وجد رجلًا يمكن أن يتحول من خصم إلى حليف، فتح له باب المصالحة، وجعله جزءًا من مشروع الدولة. وكانت هذه السياسة من أهم أسباب نجاحه.

فقد أدرك أن الأندلس لا يمكن أن تُحكم بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما بمنطق الدولة التي تتسع للجميع. لكن أخطر ما واجهه لم يكن تمرد مدينة هنا أو قبيلة هناك. بل العصبية التي حملها العرب معهم من المشرق.

فالصراع القديم بين القيسية واليمنية لم يبقَ خلفهم في الشام، بل عبر البحر معهم إلى الأندلس، وأصبح كل فريق يرى نفسه أولى بالنفوذ والقيادة. ولو استمرت تلك العصبيات تتحكم في مصير البلاد، لتحولت الأندلس إلى إمارات متناحرة لا يجمعها جامع.

وهنا ظهرت عبقرية الداخل السياسية. فلم يسمح لقبيلة أن تنفرد بالحكم، ولم يجعل الدولة رهينة لعصبية بعينها، بل سعى إلى أن يكون الولاء للإمارة فوق كل ولاء، وأن يشعر الجميع بأنهم شركاء في كيان واحد، لا أتباع لقبائل متنافسة.

وكان يعلم أن هذه المهمة تحتاج إلى أكثر من الخطب.

تحتاج إلى مؤسسات تحفظ الدولة إذا غاب الرجال، وإلى جيش يدين بالولاء للإمارة، لا لزعيم القبيلة. ومن هنا بدأ عبد الرحمن الداخل مشروعًا جديدًا، لم يكن يقل أهمية عن انتصاره العسكري. مشروع بناء الدولة نفسها.

لم يكن عبد الرحمن الداخل يجهل أن الدول التي تقوم على ولاء القبائل وحده، سرعان ما تهتز إذا تبدلت المصالح أو تبدلت الزعامات. ولهذا، لم يجعل جيشه امتدادًا للعصبيات العربية التي مزقت الأندلس، بل عمل على إنشاء قوة عسكرية يكون ولاؤها للدولة قبل أي انتماء آخر. فأعاد تنظيم الجند، وأكثر من الاعتماد على الموالي، واستعان بعناصر مختلفة من أهل الأندلس وخارجها، ليصنع توازنًا يمنع قبيلة واحدة من احتكار القوة.

وكان يدرك أن الجيش ليس مجرد سلاح يحمي الحدود. بل هو العمود الذي تستند إليه الدولة كلها. وفي الوقت نفسه، بدأ يعيد تنظيم الإدارة.

فلم يترك الأقاليم نهبًا لاجتهادات الولاة، وإنما اختار رجاله بعناية، وحرص على أن تبقى الولايات مرتبطة بقرطبة، وأن تصل مواردها إلى بيت المال، وأن يكون للقضاء مكانته، وللإدارة هيبتها.

وكانت تلك الخطوات بداية تحول الإمارة من سلطة تعتمد على شخصية الحاكم، إلى دولة تقوم على مؤسسات قادرة على إدارة شؤون البلاد. ثم التفت إلى قرطبة.

فالمدينة التي دخلها منتصرًا، لم يكن يريدها مقرًا مؤقتًا لحكمه، بل أرادها عاصمة تليق بمشروعه. فأخذ يعمرها، وشجع الأسواق، وأصلح المرافق، وأقام فيها دواوين الدولة، حتى بدأت تتحول شيئًا فشيئًا إلى القلب السياسي والإداري للأندلس.

لكن أعظم ما تركه فيها لم يكن قصرًا. بل مسجدًا. ففي سنة 169 للهجرة، أمر ببناء الجامع الكبير في قرطبة، على أرض اشتراها من أصحابها، ليكون أكثر من مكان للصلاة.

كان يريد أن يكون المسجد جامعةً للعلم، ومنبرًا للفقه، ورمزًا لوحدة الدولة الناشئة. ولم يكن يدرك أن هذا البناء، الذي بدأ متواضعًا، سيتحول مع مرور الزمن إلى واحد من أعظم الشواهد المعمارية في تاريخ الحضارة الإسلامية.

وبينما كان الداخل يبني دولته في الغرب، لم يكن العباسيون في بغداد قد نسوه. فقد كانوا يرون أن قيام دولة أموية جديدة في الأندلس ليس مجرد تحدٍ سياسي، بل تهديدًا لشرعية خلافتهم.

ولهذا، أرسل الخليفة أبو جعفر المنصور قائده العلاء بن مغيث إلى الأندلس، محاولًا إسقاط الإمارة الناشئة وإعادة البلاد إلى نفوذ العباسيين.

وكان ذلك أخطر اختبار واجهه عبد الرحمن الداخل منذ دخوله قرطبة. فلم تكن المواجهة هذه المرة مع والٍ متمرد أو قبيلة مختلفة… بل مع جيش جاء يحمل راية الخلافة العباسية نفسها.

غير أن الداخل لم يتردد. فجمع قواته، وقاد المعركة بنفسه، واستطاع أن يهزم جيش العلاء هزيمة قاسية، وقُتل قائده، لتنتهي بذلك أول محاولة عباسية جادة لاستعادة الأندلس.

ولم يكتفِ بالنصر العسكري. بل بعث برأس العلاء إلى أبي جعفر المنصور في المشرق، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الأندلس لم تعد ولاية بعيدة يمكن إدارتها من بغداد، وإنما أصبحت دولة مستقلة تملك قرارها، وقادرة على الدفاع عن نفسها.

وكانت تلك اللحظة نقطة تحول كبرى. فمنذ ذلك اليوم، أدرك العباسيون أن البحر الذي فصلهم عن الأندلس لم يعد مجرد حاجز جغرافي.

بل أصبح حدًا سياسيًا بين دولتين، لكل منهما مشروعها، ولكل منهما عاصمتها، ولكل منهما طريقها في صناعة التاريخ. لكن عبد الرحمن الداخل لم يكن يبحث عن الانتصار على العباسيين وحدهم…

بل كان يسعى إلى انتصار أكبر. انتصار يجعل الناس ينسون أنه جاء إلى الأندلس هاربًا، ويتذكرون أنه الرجل الذي أعاد بناء دولة من بين أنقاض دولة أخرى. وهذا هو الإرث الذي سيخلد اسمه عبر القرون.

لم يكن عبد الرحمن الداخل يطمح إلى أن يقال إنه آخر أمراء بني أمية الذين نجوا من سيوف العباسيين. بل أراد أن يكون أول رجل يعيد إلى اسم بني أمية مكانته بين الأمم.

ولهذا، لم يجعل سنوات حكمه سلسلةً من الحروب المتتابعة فحسب، بل جعلها مشروعًا طويل الأمد لبناء دولة تستطيع أن تعيش بعده. فأعاد الأمن إلى معظم أقاليم الأندلس، وربط الولايات بالعاصمة، ورسخ سلطة القضاء، وأحكم إدارة المال، وشجع الزراعة والتجارة، حتى بدأت البلاد تستعيد عافيتها بعد سنوات من الاضطراب والانقسام.

ولم تكن قرطبة، التي دخلها يومًا قائدًا منتصرًا، هي المدينة نفسها التي تركها عند وفاته.

لقد أصبحت عاصمة حقيقية. تزدحم أسواقها بالتجار، وتعمل دواوينها بانتظام، وتنبض مساجدها بحلقات العلم، وأخذت تستقبل الوافدين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، حتى بدأت ملامح حضارة جديدة تتشكل على ضفاف الوادي الكبير.

وكان الداخل يدرك أن بقاء الدولة لا يتحقق بالسيف وحده. فالسيف يفتح المدن. أما العدل، وحسن الإدارة، والعلم، والعمران، فهي التي تحفظها.

ولهذا، كان حريصًا على أن يورث أبناءه دولةً مستقرة، لا مجرد عرش يتنازعون عليه. وبعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا من الكفاح المتواصل، توفي عبد الرحمن الداخل سنة 172 للهجرة، بعد أن حوّل حلمًا كاد يبدو مستحيلًا إلى حقيقة راسخة.

لقد وصل إلى الأندلس مطاردًا لا يملك سوى اسمه. ورحل عنها مؤسسًا لدولة ستبقى قرابة ثلاثة قرون، وستصبح فيما بعد خلافة تنافس العباسيين في المشرق، وتمنح العالم واحدة من أزهى الحضارات الإسلامية.

ولم يكن غريبًا أن يلقبه المؤرخون بـ الداخل، لأنه دخل الأندلس فغيّر تاريخها.

أما لقب صقر قريش، فقد اشتهر في المصادر الإسلامية أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور قال عنه: ذاك صقر قريش، إعجابًا بقدرته الفريدة على النجاة، وجمع الأنصار، وتأسيس دولة جديدة بعيدًا عن موطنه الأول، وإن كان المؤرخون قد اختلفوا في بعض تفاصيل هذه الرواية، فإنهم يكادون يتفقون على أن عبد الرحمن الداخل كان واحدًا من أعظم رجال السياسة في تاريخ الإسلام.

لقد أثبت أن الدولة لا تُورث بالدم وحده. بل تُكتسب بالعقل، والصبر، والإرادة. وأن الهزيمة ليست نهاية المطاف، إذا وجد من يستطيع أن يحولها إلى بداية جديدة. وهكذا، لم يعد في العالم الإسلامي عاصمة واحدة تقود المشهد.

ففي المشرق، كانت بغداد تمضي بخطى ثابتة نحو عصرها الذهبي. وفي الغرب، كانت قرطبة قد وضعت أولى لبنات مجدها، تستعد لتصبح مدينة تنافس أعظم مدن زمانها. ومن هنا، ستستمر رحلتنا بين جناحي الحضارة الإسلامية.

سنترك قرطبة قليلًا، بعد أن اطمأننا إلى ثبات أركانها، ونعود إلى بغداد، حيث ينتظرنا الخليفة الذي ارتبط اسمه في ذاكرة التاريخ بالعصر الذهبي للدولة العباسية. هارون الرشيد. حين بلغت بغداد ذروة المجد.

زر الذهاب إلى الأعلى