صدى مصرمقالاتمنوعات

تقدمنا حتى ضاع الإنسان. بقلم : عماد نويجى

تقدمنا حتى ضاع الإنسان

 

بقلم : عماد نويجى

تقدمنا في كل شيء تقريبا

صار العالم أسرع وصارت المسافات أقصر وصارت المعلومات تصل إلينا في لحظات وصارت البيوت أكثر راحة والشوارع أكثر اتساعا والأجهزة أكثر ذكاء

لكن السؤال الذي نخشى الاقتراب منه

هل أصبح الإنسان أكثر إنسانية

هذا هو السؤال الذي يوجع أكثر مما يجيب

فقد لا تكون المشكلة في التطور نفسه وإنما في الثمن الذي دفعناه ونحن نركض خلفه

كان الإنسان قديما يملك القليل لكنه كان يعرف قيمة القليل

كان الرغيف له معنى

والجلسة حول الطبلية لها معنى

والجار له معنى

والقريب له معنى

والمدرس له هيبة

والأب له مكانة

والأم كانت بيتا كاملا لا مجرد شخص يعيش معنا

وكانت القرية تعرف بعضها بعضا

إذا مرض أحدهم طرق الجميع بابه

وإذا مات أحدهم خيم الحزن على الجميع

وإذا تزوج أحدهم فرحت البيوت قبل أن تفرح العروس

لم تكن الحياة مثالية

وهذه حقيقة يجب ألا ننساها

كان فيها الفقر والمرض والتعب وقلة الإمكانات ومشكلات كثيرة

لكن الإنسان كان يجد في وسط كل ذلك شيئا يعوضه

كان يجد الناس

واليوم أصبح لدينا كل شيء تقريبا إلا ذلك الشيء الذي لا يمكن شراؤه

الدفء

نعيش وسط آلاف الأصدقاء على شاشاتنا ونشعر بالوحدة

نتحدث طوال اليوم ولا نجد من يسمعنا

نعرف أخبار العالم كله ولا نعرف ماذا يحدث داخل قلوب من يعيشون معنا

نستطيع أن نرى وجه إنسان في آخر الأرض خلال ثانية لكننا نعجز أحيانا عن رؤية الحزن في عيني أقرب الناس إلينا

وهنا تظهر المفارقة الكبرى

كلما ازدادت وسائل الاتصال ازداد الانفصال

وكلما كثرت الأشياء قلت البركة

وكلما ارتفعت المباني شعر الإنسان أحيانا بأنه أصبح أصغر

لقد علمتنا التكنولوجيا كيف نصل إلى أي شيء

لكنها لم تعلمنا كيف نصل إلى بعضنا

علمتنا كيف نحفظ آلاف الصور

لكنها لم تعلمنا كيف نحفظ الذكريات

علمتنا كيف نرسل الكلمات في لحظة

لكنها لم تعلمنا كيف نقول كلمة صادقة في الوقت المناسب

لقد تغير شكل الحياة

لكن السؤال هو هل تغيرت قيمتها

ربما نحن لا نشتاق إلى الراديو القديم ولا إلى التلفزيون الذي كان يتوقف في منتصف الليل ولا إلى السيارة القديمة ولا إلى الشوارع الترابية

نحن نشتاق إلى أنفسنا ونحن نعيش تلك الأشياء

نشتاق إلى زمن كان فيه القليل يكفي

والقريب يسند

والجار يطمئن

والأب يجمع أبناءه

والأم تعرف من نظرة واحدة أن ابنها حزين

نشتاق إلى زمن كان فيه الإنسان أغلى من الشيء

أما اليوم فقد يحدث العكس

قد يصبح الهاتف أغلى من الجلسة

والصورة أهم من اللحظة

والمنشور أهم من المشاعر

والشهرة أهم من القيمة

والظهور أهم من الحقيقة

وهنا لا يصبح السؤال هل نحن متقدمون

بل إلى أين نتقدم

فالتقدم الذي يجعل الإنسان يمتلك أكثر ويشعر أقل ليس تقدما كاملا

والمدينة التي ترتفع فيها الأبراج بينما تنخفض فيها الرحمة مدينة متطورة في عمرانها لكنها فقيرة في روحها

والبيت الذي تزداد فيه الأجهزة وتقل فيه جلسات العائلة لا يمكن أن نسميه أكثر دفئا لمجرد أنه أكثر رفاهية

ربما أخطأنا حين تصورنا أن المستقبل يعني التخلص من كل ما كان

فليس كل قديم يجب أن يدفن

هناك أشياء يجب أن تتقدم معنا

الرحمة

الحياء

الوفاء

صلة الرحم

احترام الكبير

رعاية الصغير

حفظ الجيرة

الصدق

القناعة

والقدرة على أن نفرح بالقليل

لا أحد يطلب منا أن نعود إلى الماضي

فالزمن لا يعود

ولا ينبغي له أن يعود

لكن يمكننا أن نأخذ أجمل ما فيه ونضعه في حاضرنا

نستطيع أن نستخدم الهاتف دون أن نسمح له بسرقة العائلة

ونستخدم التكنولوجيا دون أن نفقد إنسانيتنا

ونسكن البيوت الحديثة ونظل نفتح أبوابها للناس

ونعيش في مدن متطورة لكن لا ننسى أن الجار انسان قبل أن يكون مجرد اسم على باب

التطور الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاء

بل أن يصبح الإنسان أكثر رحمة

ليس أن نصل إلى أبعد مكان

بل أن نصل إلى قلب من يحتاج إلينا

ليس أن نمتلك أحدث هاتف

بل أن نمتلك كلمة طيبة في وقت يحتاجها فيها شخص مكسور

وليس النجاح أن نعيش حياة أكثر رفاهية

بل أن نعيش حياة أكثر معنى

لذلك ربما لم تكن المشكلة أن الماضي كان جميلا إلى هذه الدرجة

وربما لم يكن الحاضر سيئا إلى هذه الدرجة

لكن الفرق أن الماضي كان يعرف قيمة الإنسان أكثر

أما نحن فقد انشغلنا كثيرا بتطوير الأشياء حتى نسينا أن نطور أنفسنا

ولهذا فإن أجمل مشروع يمكن أن نبدأه اليوم ليس مدينة جديدة

ولا جهازا جديدا

ولا طريقا جديدا

بل انسانا جديدا

انسانا يعرف أن التكنولوجيا وسيلة وليست حياة

وأن المال ضرورة وليس قيمة

وأن الشهرة ليست مجدا

وأن كثرة العلاقات لا تعني كثرة الأحبة

وأن البيت لا يصبح بيتا بالأثاث وإنما بالقلوب التي تسكنه

وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس ما امتلكه

بل ما زرعه في قلوب الآخرين

فربما لم ينسرق منا الزمن الجميل كما نظن

ربما الذي ضاع هو الإنسان الذي كان يسكن ذلك الزمن

وإذا أردنا أن نستعيد شيئا منه

فلا نبحث عنه في الأسواق القديمة

ولا في الصور الباهتة

ولا في ذكريات الطفولة

بل نبحث عنه داخل أنفسنا

فالماضي لا يعود

لكن القيم تستطيع أن تعود

والرحمة تستطيع أن تعود

والعائلة تستطيع أن تجتمع من جديد

والجار يستطيع أن يصبح جارا من جديد

والإنسان يستطيع أن يتعلم مرة أخرى كيف يكون انسانا

وعندها فقط

لن نكون قد عدنا إلى الماضي

بل سنكون قد أخذنا أجمل ما فيه

ووضعناه في مستقبلنا

فلا تنتظروا ان يعود الزمن الجميل

فالزمن لا يعود

لكننا نستطيع ان نعيد الجمال الى الزمن

لنبدأ من بيوتنا قبل ان نطالب الشوارع بالتغيير

لنغلق هواتفنا قليلا ونفتح ابواب الحديث

لنعود الى موائد تجمعنا لا الى شاشات تفرقنا

لنطمئن على من نحب قبل ان نبحث عن اعجاب الغرباء

لنرب ابنائنا على الرحمة قبل ان نعلمهم المنافسة

لنحترم الكبير ونحتوي الصغير ونحفظ حق الجار ونصل الرحم

لنقل كلمة طيبة دون مناسبة

ونعتذر دون كبرياء

ونسامح دون انتظار مقابل

ولنجعل التكنولوجيا في ايدينا لا قلوبنا

فالتغيير الحقيقي لن يبدأ من مدينة جديدة ولا من جهاز جديد

سيبدأ من انسان قرر ان يستعيد انسانيته

ربما لا نستطيع ان نغير العالم كله

لكننا نستطيع ان نغير البيت الذي نعيش فيه

والقلب الذي نحمله

والاثر الذي نتركه خلفنا

فاذا فعل كل واحد منا شيئا صغيرا ليعيد الرحمة الى مكانها والاسرة الى دفئها والجار الى مكانته والصدق الى كلماته

فربما يأتي يوم لا نتحدث فيه عن زمن جميل فقدناه

بل عن حاضر جميل صنعناه

والبداية ليست غدا

البداية من هذه اللحظة

ومن عندك انت

زر الذهاب إلى الأعلى