عندما يبتسم القاتل: قراءة نقدية في «ثلاثية العطش»
للكاتبة السورية معاني سليمان
بقلم: الكاتب والناقد د. محروس عامر
(نص الثلاثية اسفل القراءة)
يضعنا عنوان الثلاثية في مواجهة مباشرة مع الأبعاد الدلالية المتباينة لمفهوم «العطش»؛ بدءاً من الاحتياج للحب، أو البحث عن الحماية والحنان، وصولاً إلى أقصى الدلالات الوجودية ؛ فجميعها تمثل حاجة بشرية تجعل الإنسان عاجزاً عن مقاومة نداء الشعور بالنقص. ثم ترسم العناوين الفرعية مساراً دلالياً متدرجاً؛ ينطلق من الحلم الشفيف في «ليلة حالمة»، ليتصاعد نحو الشغف والشبق في «ظمآن إليك»، حتى يصطدم بالنهاية المأساوية في «المصيدة».
تولي الكاتبة عناية خاصة بعلامات الجمال، وتوظف هذه الجماليات كأداة لاستدراج الضحايا، غير أنها تعكس في الوقت ذاته حسًا جماليًا وذائقة فنية عالية واهتمامًا ذاتيًا بتشكيل الصور البصرية حيث ترسم الكاتبة المرأة في أبهى صور الأنوثة والجاذبية؛ فتتجلى في «العيون اللوزية أو الفيروزية التي تخبئ حزنًا شفيفًا»، و«العنق الزجاجي»، و«الشعر الكستنائي أو الأسود المنسدل بحرية». وتكتمل هذه الصورة بالفستان الحريري الأصفر أو الأزرق الملتصق بالجسد، والعطور البرية المنعشة، وقرط اللؤلؤ، والمشية الخفيفة التي تشبه حركة الفراشة. تعيد الكاتبة هنا إبراز أهمية المظهر، مؤكدة أن الجمال تعبيرٌ ضروري عن الأنوثة، بغض النظر عما إذا كان يستر خلفه امرأة مقتولة (ديانا) أو امرأة قاتلة (لين). وفي الوقت نفسه يظهر الرجل مجسدًا لصور الجاذبية الذكورية الحازمة؛ وسامة مفرطة، بدلة سوداء أنيقة، سيارة سوداء، وخاتم ماسي، مقرونة برقة متناهية ولغة مفعمة بالدفء والكرم العاطفي. لكن هذه الوسامة ليست سوى طُعم يمنح الضحية شعورًا زائفًا بالأمان. وفي الوقت نفسه، يؤكد النص انحياز الكاتبة للقيم الجمالية؛ حيث لا يقتصر الجمال على الأنثى بل يتعداها لشخصية الرجل أيضاً.
وقد لفت انتباهي ان الكاتبة عمدت الي تغيير النمط التقليدي للجريمة؛ فالجُرْم لا يقع دائمًا في الأزقة المظلمة وعلى يد أناس بملامح مشوهة، بل يمارس النص خلخلة لوعي القارئ بالقول إن الخطر الأكثر فتكًا هو ذاك الذي يستتر خلف السطح الأملس. كما تُرسخ الكاتبة لفكرة إغواء الضحية وتجريدها من الحذر؛ إذ تشكل الرقة والجمال آلية «تخدير نفسي» للشخصيات، تتعدى النص لتطال القارئ نفسه. فعندما يستغرق القارئ في الاستمتاع بالحديث الجذاب والمنظر الجمالي الشائق، يتحول المشهد فجأة إلى ساحة جريمة مروعة. وتلك براعة سردية لافتة نجحت من خلالها الكاتبة في إحداث الدهشة وكسر التوقع لدى القارئ بصدمة غير متوقعة.
التحليل النفسي :
يمثل “ريان” النمط النرجسي السادي الذي يجد إشباعه في السيطرة المطلقة على الضحية. لا يروي “ريان” عطشه عبر الحب، بل عبر ممارسة آلية نُطلق عليها «إزاحة العجز الداخلي» من خلال القتل؛ إذ تعتبر الجريمة في ظنه مجرد سلوك قهري ينبع من كبرياءه النرجسي. بينما تحولت “لين” من موقع الضحية السلبية إلى الفاعل المحرك للأحداث. نفسيًا، تمارس لين «التماهي مع المعتدي»، حيث تبنت أساليب “ريان” ذاتها (الإغراء، الجمال، والهدوء) لتبني بها مصيدتها الخاصة، رغبةً في استعادة التوازن النفسي المفقود بعد قتل أختها. ومن الملاحظ أن مزهرية زهرة «الأوركيد» كانت حاضرة في غرفة لين؛ فهل كانت لين هي القاتل المتسلسل الذي ذاع صيته أم ريان؟! هنا تترك القصة سؤالاً مفتوحاً: أيٌّ من القتلة يقلد الآخر؟ وأيهما الفاعل الأصلي وأيهما رد الفعل؟ إنه نمط دائرِيٌّ في الفكر والحدث، يُدلل على أن دوامة العنف متى بدأت، يصعب أن تنتهي.
السمات السردية:
من السمات البارزة في هذه المتوالية الاعتماد على إيقاع سريع وتنوع سردي متدفق؛ حيث تنقل الكاتبة القارئ بخفة بين السارد العليم، الحوار الشجي، والاقتباسات المباشرة. هذا التنوع يمنع الاستقرار على تفسير واحد، ويُبقي الذهن في حالة تحفز مستمر أمام التطورات المتلاحقة. كما تجعل الكاتبة من اللغة نفسها جزءًا من لعبة الخداع؛ فهي لا تستخدم لغة قاسية لتجسيد المشاهد البشعة، بل تكسو نصها برقة شاعرية وعذوبة وانسيابية عالية. هذه الفجوة الواسعة بين «شعرية اللغة» و«بشاعة الجريمة» تُحدث لدى القارئ «صدمة جمالية»؛ إذ يتذوق المفردات بأناقة في اللحظة ذاتها التي يستوعب فيها هول الحدث وقسوته.
الخاتمة
ليس «العطش» في متوالية معاني سليمان مجرد عنوان عابر، بل هو دافع وجودي ونفسي محرك للأحداث. لقد نجحت الكاتبة في تقديم قراءة عميقة للجانب المظلم من النفس البشرية، محذرة من أن القبح الأشد خطورة هو ذاك الذي يتخفى خلف الجمال الذي نطمئن إليه.
تُغادر الكاتبة القارئ تاركة إياه في حالة من الحيرة الفكرية والقلق الوجودي؛ حيث يُعيد النظر في كل مظاهر الجمال والأناقة واللطف المحيطة به في حياته اليومية، متسائلًا عن الحدود الفاصلة بين الحقيقة والأقنعة. ليرسخ في الذهن انطباعٌ حاد ومُربك: أن العطش الإنساني حين ينحرف عن مساره الطبيعي، يحولُ الرغبة إلى جريمة، والحب إلى دمار، ويجعل من الوردة أثراً لجريمة، ومن العطر ستاراً للموت.
نص الثلاثية :
ثلاثية العطش
ثلاث قصص، ثلاث زوايا، انتقام واحد.
كل جزء منها يُقرأ وحده، لكن اجتماعها معاً يكشف الحكاية كاملة.. حكاية عن العطش الذي لا يُروى
ليلة حالمة
بدت الشمس كجمرة مشتعلة وهي تغيب تدريجياً وراء الأفق، الناس يملأون الشوارع ويتدفقون من كل مكان كعادتهم في الليالي الصيفية المبهجة حيث يطيب السهر والسمر،
رش أبو جلال مصطبة الدكان بالماء، ووضع كرسيه أمام دكانه هرباً من الحر، انضم إليه جاره ورفيقه عمره هاني وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث
– ماهي آخر أخبار عصابة تجارة الأعضاء ألم يقبضوا عليهم بعد؟
– لاتزال التحريات قائمة، الشرطة تبحث عنهم في كل مكان، وجدوا الأسبوع الفائت جثة جديدة مشقوقة الصدر في مقلب القمامة، ما يثير الإستغراب أنهم يجدون بجواره زهرة أوركيد بيضاء
– يالجنون هؤلاء البشر! يقتل وينتزع قلب الضحية، ثم يلقيه مع زهرة بجواره!
سكنت أصواتهما عندما مرت بجوارهما شابة جميلة ترتدي فستاناً أصفر ليموني اللون، وشعرها البني ينسدل على كتفيها، رائحة عطرها منعشة تشبه رائحة الأزهار البرية، تمشي بخفة فراشة وتتمايل بكعبها الأبيض
مجرد رؤيتها كانت كفيلة بأن تنسي العجوزين حديثهما، وتجعل قلبيهما يخفقان من السعادة ، حيتهما بابتسامة عندما لاحظت نظراتهما، وردوا عليها التحية، بأعين زائغة وأفواه فاغرة ودعتها حتى نهاية الشارع.
زفر هاني متحسرًا : ليت الشباب يعود يوماً
-قل هذا عن نفسك
رد أبو جلال
– أنا لازلت شاباً، ليتها فقط تقبل بي وسأجعلها ملكة
ضحك هاني وقال له ساخرًا
– انتظر لنسمع رأي زوجتك بالأمر..
– مالي ومالها تلك العجوز البغيضة! سأتركها وأرحل مع هذه الشابة الجميلة
تبادلا الضحكات، بينما أكملت الشابة طريقها إلى متجر الملابس،
لفتت انتباه كل الحاضرين عند دخولها ،اقتربت من البائع وطلبت منه قرطاً لؤلؤياً
تأمل البائع ملامحها المغتبطة وقال لها : لحسن حظك لدي شيء يناسبك تماماً
كانت السيدتان اللتان تقفان بالجوار تراقبانها بحسرة؛ لم تتذكر إحداهن متى آخر مرة شعرت بالحب أو همس لها أحدهم بكلمة غزل، أو دعاها إلى موعد غرامي
ارتدت الشابة الأقراط التي بدت أنها تناسبها تماماً، ودعت البائع والسيدتين، بينما تمتم البائع : كم هو محظوظ، إنه أسعد رجل في العالم.
أكملت الفتاة طريقها، كان صوت وردة يتدفق من الكشك المجاور..
بتمر ساعات بعد لقانا..والروح لوجودك عطشانة
توحشني عينيك
وبلاقي الدنيا بقت فاضية..مع ان الناس رايحة وجاية
وأنا بحلم بيك
قطعت الشابة الشارع وتوغلت داخل الأزقة المظلمة، حتى وصلت إلى المكان المحدد
كان ينتظرها هناك، ابتسم عندما رآها تنير كالبدر في السماء المظلمة
اقترب منها سعيداً، فحيته بابتسامة دافئة: “هل تأخرت عليك يا عزيزي؟”
ثم مررت أصابعها الرقيقة عبر شعره تطمئنه: “لا تقلق، منزلي بالجوار.”
وصلا إلى البيت الذي كان يبدو معزولاً ومتطرفاً عن بقية البيوت، فتحت الشابة الباب وأضاءت النور كان البيت مرتباً وجميلاً
سألها الشاب باستغراب
– لا أفهم لم تعيشين في هذا المكان المنعزل، ألا تشعرين بالخوف.!؟
أجابته: المنطقة هنا أرخص من غيرها، كما أنني أستخدم جزءاً من البيت كعيادة…تعال انظر
ذهب معها إلى الغرفه الأخرى وجال ببصره بالغرفة؛ سرير الفحص، إسطوانات أكسجين، أجهزة مراقبة النبض، مصابيح علوية معلقة على حوامل، كانت تبدو كأنها غرفة عمليات مصغرة.
شعر الشاب بأن المكان أصبح خانقاً وضيقاً وبدأ إحساس بالذعر والخوف يداهمه
هذا غريب.. قالها ثم انتبه الى الصورة المعلقة على الجدار
– من هذا الذي بجوارك،
– إنه خطيبي السابق، لقد رحل منذ زمن، كان يدعي أنه يحبني ويخلص لي، و يرسل لي الأزهار يومياً، لكنه حطم قلبي ورحل مع أخرى
إحساس ثقيل بالخدر يشل أطراف الشاب، ورغبة ملحة بالنوم تثقل جفنيه، كانت مزهرية بداخلها أزهار الأوركيد البيضاء موضوعة على الطاولة، هو آخر مارآه قبل أن يغمض عينيه ويفقد الوعي.
ظمآن إليكِ
كانت تتأمله بانبهار، وهو جاثٍ على ركبته، بريق الخاتم الماسي الذي في يده يخطف الأبصار، عيناه تفيضان حباً وغراماً. شعرت ديانا في تلك اللحظة أنها أسعد امرأة في العالم.
عادت بها الذاكرة إلى تلك الليلة، ليلة لقائهما، الصدفة التي رسمها القدر، وأوقعتها في غرامه، منذ النظرة الاولى.
كانت تقود سيارتها، عائدة إلى المنزل، بعد نهار طويل وشاق في العمل، أدارت الراديو عله يسلي وحدتها، وهي تقطع الطريق السريع، بدأت الموسيقى تنتشر في الاجواء، مالبثت أن أطفأته غاضبة، كانت تلك أغنيتهما المفضلة، عندما كانا معاً، هل حقاً تجاوزته كما تعتقد؟وإلى متى ستبقى تدعي هذه القوة؟!
فاجأها صوت انفجار قوي، راحت السيارة تترنح على الطريق، وضعت كل ثقلها على مقود السيارة، محاولة السيطرة عليها.
على حافة الطريق العشبي كانت ديانا تركل بقدمها إطار السيارة المثقوب، يالحظي السيء، كيف سأتصرف الان؟!
السيارات تمر من أمامها مسرعة، لكنها ترددت في طلب المساعدة، فقد سمعت عن حوادث اختطاف وقتل تحدث للفتيات الوحيدات على الطرق المعزولة.
بدأ ذهنها يعيد اليها قصصاً سمعتها لنساء وجدت جثثهن ملقاة في الغابة، وهناك من حدث لهن الأسوأ، اختفين بلا أثر!! وبقيت سياراتهن متوقفة في المكان.
بدأ الخوف يتسرب إلى ذهنها، ليس لديها أحد تتصل به.. سواه. رفضت الفكرة تماماً: لا، لايمكن، لن أطلب منه شيئاً، سيظن أنني..
لاحظت سطوع أضواء قوية، دخلت مسرعة إلى السيارة،وأغلقت النافذة، توقفت سيارة سوداء بالقرب منها، خرج منها ظل حاولت تمييزه في الظلام، طرق بيده على النافذة، فتحتها قليلاً، رأت شاباً وسيماً، بهي الطلة، ينظر في عينيها، مساء الخير سيدتي، هل هناك مشكلة، أظن أنه يجب ألا تكوني هنا في هذا الوقت.
أجابت: أنا بخير، شكراً لك، سيأتي أحدهم قريباً.
ظلت تنتظر رحيله، لكنها تفاجأت بأنه بقي واقفاً أمام سيارتها، كان وقوفه بالقرب من أضواء السيارة قد أعطاها فرصة لتتأمله أكثر، جسده الرياضي، بدلته السوداء الأنيقة، بشرته الفاتحة، شاحبة بلون الشمع ، عيناه سوداون بسواد الليل، شعره بني بلون العسل متموج، رفع رأسه والتقت عيناه عينيها، ابتسم لها ابتسامة ساحرة، شعرت بالدوار على أثرها، حاولت أن تسيطر على دقات قلبها المضطربة، ضغطت بقوة على بوق السيارة، تحرك من مكانه على مهل، اقترب منها، انحنى بجوار النافذة، قالت بحزم: لم لاترحل، لماذا تقف أمام سيارتي؟!
رد بصوت هادئ، وهو يرسل نظراته لتخترق روحها، ذكرتِ أن أحدهم سياتي قريباً، لن أتركك وحدك هنا، حتى اطمئن أنكِ بخير.
ثم تابع حديثه، يمكنني إصلاح إطار سيارتك المثقوب، ونحن بإنتظار وصوله، هل لديك إطار احتياطي؟
كانت تراقبه من مرآة السيارة، وهو يصلح الإطار بإحترافية، وعندما انتهى، اتخذ طريقه عائداً إلى سيارته.
فتحت ديانا باب السيارة وناولته منديلاً قماشياً.
شكراً جزيلاً لك، اسمي ديانا، أعمل وكيلة عقارات.
راح يتأمل فستانها الحريري الأزرق المرسوم على جسدها الأنثوي، وشعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها، وعينيها الفيروزيتين، وعنقها الزجاجي، ورائحتها الشهية.
مد يده وتناول المنديل، ثم صافحها، وقال: اسمي ريان، أعمل محامياً، منزلي يقع بالقرب من هنا.
ردت ديانا: لاأعرف كيف أشكرك، لقد كنت في مأزق، وأنت أنقذتني.
أجابها بابتسامته الساحرة: لاشكر على واجب، هل أنت متفرغة غداً؟ أ يمكنني دعوتك إلى العشاء في المكان الذي تختارينه سيدتي؟
صمتت ديانا فترة، ليس تردداً ، لكن لأنها لم تصدق ماتسمعه الآن، ظنت أنها في أحد أحلامها المعتادة، حيث تقابل الأمير الوسيم، ويعجب بها ويأخذها إلى موعد حالم.
أعادها من صدمتها صوته الدافئ: يبدو أن لديك مايشغلكِ، لا عليكِ..
استدركت ديانا: موافقة.. في أي ساعة ستحضر؟
تكررت لقاءاتهما خلال الأسابيع التالية، حتى صار كل واحد منهما جزءًا من يوم الآخر، في إحدى المرات دعاها ريان لزيارة منزله، وأخبرها أنه يحضر لها مفاجأة سارة.
القمر يبدد بنوره الفضي ظلمة الليل، الكون يعزف مقطوعة الصمت، والعالم بأسره ينصت، فيما كانت الأحلام تنساب على إيقاع الليل كراقصة باليه.
أمام منزل ريان كانت ديانا تضغط زر الجرس، فتح لها الباب بوجهه البشوش، ووقف برهة يتأمل جمالها، بفستانها الأبيض المطرز بالدانتيل وشعرها الأسود المرفوع وثغرها الشهي.
ناولته ديانا علبة الشوكولا التي أحضرتها.
أشار لها ريان بالدخول تفضلي سيدتي، أهلاً بكِ ومرحباً.
اصطحبها إلى شرفة منزله كان قد وضع طاولة صغيرة عليها طبقان وكأسان من العصير ومزهرية فيها ورود ندية.
راحت ديانا تتأمل من الشرفة المدينة الغافية في أحضان الليل.
ثم قالت: كيف ينامون ملء جفونهم مطمئنين، ألا يدهمهم الحنين، ألم يعرفوا العشق يوماً؟
رد ريان: لا يسهر الليل إلا النجمُ والقمرُ، وعاشقٌ بات في أجفانه السهرُ …. هل هناك أجمل من أن يكون المرء عاشقاً أيتها الحبيبة، لايشبع ولا يرتوي من الحب.
كان القمر يسكب نوره الفضي على الشرفة، بينما تعزف الأسطوانة لحنًا هادئًا ينساب في أرجاء المكان.
اقترب ريان منها، ووضع يده الباردة حول خصرها، فأراحت كفها على كتفه، وانسابت خطواتهما مع الموسيقى في صمتٍ لم يقطعه سوى تبادل النظرات.
كانت تراه أجمل رجل عرفته، وكان يتأملها كأنها آخر أمنياته.
فجأة، أفلت يدها، وجثا على ركبته.
أخرج علبة صغيرة من جيبه، فتحها، فإذا بخاتمٍ ماسي يتلألأ تحت ضوء القمر.
قال مبتسمًا:
هل تقبلين أن نبقى معًا… إلى الأبد؟
وقفت ديانا تحدق فيه بذهول، لأنها لم تكن تظن أن الامور ستتطور الى هذه الدرجة، أخيراً ..هزت رأسها موافقة .
ألبسها الخاتم، وقبّل يدها برقة، ثم همس في أذنها:
لدي شيء يناسب هذا العنق البلوري، تعالي معي.
أمام المرآة الطويلة، وقفت ديانا تتأمل منظرها، وهي ترتدي الخاتم اللامع، ومن خلفها وقف ريان، مال برأسه باتجاه عنقها، أغمض عينيه، وهو يشم رائحة الكرز الشهية التي تنبعث من مسامها، ويتلمس بشرة عنقها الناعمة الطرية، لم يعد يستطيع المقاومة أكثر.
كانت رائحة الدماء الطازجة التي تسيل على رقبتها قد أسكرته حد الثمالة، نظر إلى وجهه الشاحب في المرآة، مسح قطرات الدم العالقة على فمه، ثم ابتسم وقال: لا أحد يرتوي من الحب، استلقى بجوار الجثة الباردة، ونام بعمق.
في عتمة الليل كان هناك ظل بعباءة سوداء، يتجول بالقرب من الطريق السريع، ينثر المسامير على الإسفلت، كما ينصب صياد مصيدته، بإنتظار ضحيته الجديدة، التي راقبها طويلاً
“المصيدة”
سمعت لين صوت رنين هاتفها، فأغلقت صنبور الدش، ولفَّت المنشفة على جسدها المبلل، لا بد أنهم بدأوا يستعجلونها، فالأقارب والأصدقاء سيصلون تباعًا لحضور الجنازة ومجلس العزاء. دخلت غرفة نومها، التقطت الهاتف، ثم أجابت.
جاءها صوت متردد من الطرف الآخر: “لين …”
تجمدت في مكانها، ثم هوَت على الأرض من هول الصدمة؛ كانت تعرف هذا الصوت حق المعرفة، وتستطيع تمييزه بين آلاف الأصوات. إنه صوت أختها..
أكمل الصوت بصعوبة: أنا دي…
ارتجفت يداها، اجتاحها دوار مفاجئ، حتى بدا هواء الغرفة ثقيلاً يخنق أنفاسها.
حاولت أن تستعيد هدوءها، وأن تقنع نفسها بأنها تتوهم، هذا مستحيل… كيف يمكن لأختها أن تهاتفها، بينما هي تستعد بعد قليل لوداعها الأخير واستقبال المعزين في جنازتها؟
أكمل الصوت المرتجف: ليتني أصغيتُ إليكِ، لما أصبحتُ عالقةً في هذا المكان الموحش البارد وحدي.
رن صوت المنبه فجأة، فأيقظها من نومها. زارتها أختها الليلة أيضاً في منامها، لم يعد الأمر مجرد كابوس بالنسبة إليها، بل رسالة تعرف جيدًا ما الذي ينبغي عليها فعله بعدها، لكي تنعم المسكينة براحة أبدية.
كانت لين تقود سيارتها على الطريق السريع في عتمة الليل، عندما لاحظت سيارة سوداء ارتطمت بشجرة على جانب الطريق. أوقفت سيارتها، وترجلت بحذر؛ كان السائق فاقداً للوعي، ورأسه ينزف ببطء، وهو مستند إلى المقود كجسد بلا روح.
اقتربت منه و راحت تهزكتفه برفق: “هل أنت بخير؟”
فتح الشاب عينيه بصعوبة، فرأى أمامه فتاة ذات ملامح آسرة، بدت له كأنها النور الوحيد وسط عتمة الطريق. نظر حوله باستغراب، ثم سأل بصوتٍ مبحوح: “ماذا حدث؟”
“لا بأس يا سيدي، لقد وجدت سيارتك هنا، اصطدمت بشجرة. هل تشعر بألم في أطرافك؟”
حرك أطرافه ببطء ثم قال: لا، أنا بخير. لقد ظهرت أمامي سيارة مسرعة، أضواؤها الساطعة تومض في عينيّ، لم يكن لي خيار سوى الانحراف إلى جانب الطريق، وبعدها لا أذكر شيئاً.
ـ شكراً لك يا آنسة…
ـ اسمي لين… وأنا طبيبة. يبدو أن علاماتك الحيوية مطمئنة، لكن أنصحك بمراجعة المستشفى للاطمئنان أكثر.
ابتسم الشاب، وقال: لا أعرف كيف أشكرك، كم أنا محظوظ بهذه المصادفة، اسمي ريان.
صمت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إليها:
لا أعرف إن كنت محظوظًا لأنني نجوت… أم لأن أول وجه رأيته بعد أن فتحت عيني كان وجهك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، أخفت وراءها أكثر مما أظهرت، تبادلا الحديث، ثم تبادلا أرقام الهواتف، دون أن يدرك أيٌّ منهما أن تلك المصادفة ستكون بداية فصل جديد في حياتيهما.
استلطف كلٌّ منهما الآخر، وتكررت اللقاءات بينهما، حتى أصبحت جزءًا من تفاصيل أيامهما.
أما ريان، الذي كان قد سئم الوحدة والعزلة، فقد شعر وكأن قلبه يستيقظ من سباتٍ طويل.
كانت لين مختلفة عن كل من صادفهن في حياته، كلما ظن أنه اقترب منها، أفلتت منه، كسراب يلوح للناظر ثم يتلاشى، لكنه مستمتع وراضٍ، لقد وجدها أخيراً، تلك التي كان يبحث عنها طوال عمره.
في إحدى الليالي، كانا يجلسان في صالة السينما. وبينما كانت أضواء الشاشة تتراقص على وجهها، راح يتأمل ملامحها في صمت.
شعرها الكستنائي المتموج، وعيناها اللوزيتان اللتان تخبئان حزنًا لا يبوح بنفسه، وفستانها الحريري الذي زاد حضورها أناقةً.
لم يكن ما يجذبه إليها جمالها وحده، بل شيء عجز عن تفسيره؛ ربما غموضها، أو قوتها، أو ذلك الحزن الساكن في عينيها، أو الكبرياء الذي يحيطها .
لم يعرف الاسم الحقيقي لذلك الشعور، لكنه كان واثقًا من أمر واحد…
أنه وقع في حبها، ولم يعد يرغب في النجاة منه.
خرجا من صالة السينما، كانت السماء صافية تتلألأ فيها النجوم، فيما بددت أضواء المصابيح العتيقة الظلام من حولهما. حملت نسمات الربيع عبير الياسمين. مد ريان يده نحوها فأمسكت بكفه، شعرت لين وكأنها تلامس قطعة جليد لم تعرف دفء الشمس منذ زمن بعيد.
ابتسم ريان وكأنه قرأ أفكارها، وقال: “كنت أعلم أنه ليس هناك مصادفة في هذا العالم، وأنه كان مقدراً لنا أن نلتقي، وأن تتقاطع دروبنا وحكاياتنا. لطالما كنت أخشى أن أسلم قلبي لأحد، أحطته بقلاع جليدية تتحطم أمامها أي جسور للتواصل، كل هذا لأحمي تلك الهشاشة التي في داخلي. لست بارد المشاعر، لكنني كنت أحرسها بكتمان قاسٍ.”
هبت رياح خفيفة، داعبت خصلات شعر لين الكستنائي، فردت بهدوء: “أنت مخطئ يا عزيزي، الحب ليس شيئاً تخبئه في صدرك كحملٍ ثقيل، الحب شجاعة ومسؤولية. لو أنك أحببت حقاً، لتجرأت وأفصحت عن تلك المشاعر لمن تحب، ولما ترددت أو فكرت. الحب جنون، لا يحتاج إلى تفكير أو حسابات.”
وقف ريان مقابلها، وهو يتأمل انعكاس صورته في حدقتيها المتلألئتين: معك كان الأمر صعباً جداً، قاومت كثيراً، لكنني خسرت كل محاولاتي .. أنا متيم بك يا لين، وأشعر أنني وجدتك بعد رحلة طويلة من الضياع.
ابتسمت لين بدون أن تجيب، ساد المكان صمت قصير لم يقطعه سوى صوت حفيف الأشجار.
بعد أيام دعته لين لتناول العشاء في منزلها، فلبى الدعوة بسعادة.
ارتدى ريان بدلته السوداء الأنيقة، وحمل معه باقة من الأزهار الندية، ووصل إلى المكان المحدد، الذي اتفقا أن ينتظرها عنده لتصطحبه إلى منزلها، كان يراقب عقارب ساعته بشوق، شعر أن الوقت يمضي بطيئاً، بينما كان صوت وردة يصله من بعيد:
“بتمر ساعات بعد لقانا.. والروح بوجودك عطشانة.. توحشني عينيك.”
أخيراً رآها واقفة أمامه، تنير كالبدر في السماء المظلمة، ترتدي ثوبها الليموني الأصفر، وتتدلى من أذنيها أقراط من اللؤلؤ، رائحتها الجميلة تسبقها إليه. اقترب منها سعيداً، فحيته بابتسامة دافئة: “هل تأخرت عليك يا عزيزي؟”
ثم مررت أصابعها الرقيقة عبر شعره تطمئنه: “لا تقلق، منزلي بالجوار.”
وصلا إلى البيت الذي كان يبدو معزولاً ومنزوياً عن بقية البيوت. فتحت الباب، وأضاءت النور، كان البيت مرتباً وجميلاً.
تفضل، لا بد أنك متعب بعد هذا اليوم الطويل..قالتها لين وهي تشير إلى الطاولة
كان هناك كأسان من شراب التوت موضوعان على الطاولة، وفي الوسط مزهرية بداخلها أزهار الأوركيد البيضاء.
تناول ريان الكأس وارتشف منه عدة رشفات، عندما لاحظ بابًا نصف مفتوح في نهاية الممر.
ابتسمت لين عندما انتبهت إلى نظراته.
“تعال… أريد أن أريك شيئًا.”
تبعها حتى دخل غرفة بدت أشبه بغرفة عمليات صغيرة.
توقف مكانه.
راح يتأمل الأدوات الطبية، والخزائن المعدنية، وطاولة الفحص.
بدأ صدره يضيق دون سبب واضح.
قال وهو يحاول إخفاء ارتباكه:
“لم أتوقع أن يكون لديك مكان كهذا في المنزل.”
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: نعم أنا استخدم جزءاً منه كعيادة.
شعر ريان أن المكان أصبح خانقاً وضيقاً، وبدأ الإحساس بالذعر والخوف يداهمه. “هذا غريب…” قالها، ثم انتبه إلى الصورة المعلقة على الجدار.
“من هذا الذي بجوارك؟!”
“إنه خطيبي السابق، كان يقسم أنه يحبني ويخلص لي، ويرسل لي أزهار الأوركيد يومياً… إلى أن أحب امرأة أخرى وقرر أن يرحل معها” صمتت قليلاً، ثم التفتت نحوه: “لكنه لم يرحل”
أبعدت لين نظرها عن الصورة ثم قالت
“وكانت لدي أخت صغيرة تعمل في مجال العقارات، اختفت فجأة، لم تترك رسالة أنها ستسافر أو ترحل. قبل اختفائها بأيام أخبرتني أنها تعرّفت إلى شاب التقت به صدفة، بعدما ثُقب إطار سيارتها ليلًا وهي في طريق عودتها من العمل. قالت إنه ظهر في الوقت المناسب، وأصرّ على مساعدتها، ولم يتركها حتى اطمأن عليها، وصفت لي شعره البني بلون العسل، وبشرته الشاحبة.
ثم رفعت عينيها نحوه .. قالت لي إنها لم تستطع التوقف عن التفكير به.
تجمد ريان من هول الصدمة، وبدأ قلبه يخفق بقوة، وعيناه تتسعان كمن يرى شبحاً.
نظرت إليه لين، وكانت نظراتها لا تحمل أي شفقة، حتى نبرة صوتها تبدلت، وكأنها أصبحت شخصاً آخر:
“راقبتُ الطريق السريع طويلًا… حتى فهمت طريقتك.
كنتَ تختار ضحاياك بعناية، وتترصد مرورهن، ثم تنثر المسامير في الطريق، لتثقب إطارات سياراتهن، قبل أن تظهر في هيئة المنقذ.
ابتسمت ابتسامة باردة، وأكملت:
– لكن هذه المرة… كنتُ أنا من نصب لك المصيدة.
أنا من اعترضت سيارتك بالأنوار الساطعة.
أنا من أجبرك على الانحراف والاصطدام بالشجرة.
أنا من أوصلتك إلى هنا.
حاول ريان أن ينهض، لكن قدميه خانتاه، وشعر بالشلل يغزو أطرافه ببطء.
ابتسمت لين بمرارة، وقالت : حذرت ديانا منك، لكنها كانت ظمأى لحبك
ثم اقتربت منه وهمست في أذنه:
أما الآن… فهي لا تطلب سوى الراحة ..
وسأمنحها إياها






