مقالاتمنوعات

لا مصنع.. لا وظيفة.. 37 ألف دولار في ساعة.. كيف؟. بقلم: ياسر وزيري  

لا مصنع.. لا وظيفة.. 37 ألف دولار في ساعة.. كيف؟

 

بقلم: ياسر وزيري
 
صدق أو لا تصدق.

عاد بالأمس من خلف القضبان، من زنزانة كان يفترض أن تكون لإعادة التأهيل، ليفتح هاتفه، يضغط زر “Go Live”، ويجمع في ساعة واحدة ما لا يجمعه طبيب مصري في 5 سنوات، ومهندس في 10، ومدرس أفنى عمره في الفصول في 20 سنة.

15 مليون نقطة.
37,500 دولار.
قرابة 1.9 مليون جنيه مصري.
في أول ظهور لايف.

لم يخترع دواء، لم يبن مصنع، لم يكتب كتاب.. فتح الكاميرا، ابتسم، ولوّح.

مليون مشاهد في ربع ساعة، 400 ألف شخص معلقين أمامه في نفس اللحظة، والأسود الافتراضية تتطاير على الشاشة كأنها مطر. 70 أسد في دقيقة واحدة.

نحن لا نتحدث عن محتوى. نحن نتحدث عن طقس جماعي للتبرك بعودة “المحظور”.

ليست قصة نجاح.. إنها فضيحة وعي

أن يجمع شخص 37 ألف دولار في ساعة وهو جالس في غرفته، بينما شاب يفتح مشروعا صغيرا بـ 50 ألف جنيه ويفشل بسبب الإيجار والضرائب، فهذه ليست معجزة خوارزميات. هذه خلل في منظومة القيم.

الهدايا التي تنهال عليه ليست “دعم محبين”. هي استثمار. غسيل سمعة متبادل. أنت تهديني أسد بـ 400 دولار، أنا أذكر اسمك، أنت تكبر، وأنا أكسب. دائرة مغلقة من الوهم، يدفع ثمنها في النهاية المراهق الذي يسرق فيزا أبيه ليرسل قلب ووردة.

والأخطر، أنه بعد ساعات قليلة فقط من هذا اللايف الأسطوري، تقدم بلاغ عاجل للنائب العام يطالب بفحص مصادر هذه الأموال. نفس الملف القديم يتكرر: من أين تأتي؟ من يرسلها؟ ولماذا الآن؟

العودة بنص مليون

المفارقة أن العائد أعلن قبل ظهوره عن مسابقة بنصف مليون جنيه للجمهور. يعني ارمي 500 ألف لتكسب 1.9 مليون في نفس الليلة. أي بيزنس في العالم يعطيك 380% ربح في ساعة إلا بيزنس المتاجرة بعقول الناس؟

لقد خرج من السجن، لكن السجن الحقيقي هو الذي نعيش فيه نحن. سجن التفاهة التي أصبحت أغلى من العلم.

ولو جلس شهراً.. هل نسدد ديون مصر؟

هذا الشخص جمع 37,500 دولار في ساعة.

لو فتح 5 ساعات في اليوم، يجمع 187,500 دولار.
في الشهر: أكثر من 5.6 مليون دولار.
في السنة: أكثر من 67 مليون دولار، بدون مصنع، بدون ضرائب، بدون إنتاج.

عندها يخرج من يقول ساخراً وقلبه موجوع: لماذا لا نطلب منه الجلوس أمام الشاشة لمدة سنة، لنسدد ديون مصر؟

الجملة نكتة، لكنها صفعة. لأنها تكشف أننا وصلنا لزمن أصبح فيه الجلوس أمام فلتر تيك توك أكثر ربحاً من عرق 100 شاب مصري في الخليج.

37 ألف دولار ليست قصة بلوجر محظوظ. هي مرآة وضعناها أمام وجوهنا، فخجلنا أن نرى الحقيقة: نحن من نصنعه، ونحن من ندفع له، ثم نشتكي من انهيار القدوة.

زر الذهاب إلى الأعلى