مقالات

«لم أذكر اسمك … فلماذا غضبت؟!» .. بقلم أ.د. وليد محمد عفيفي

عميد كلية التجارة – جامعة كفر الشيخ

«لم أذكر اسمك … فلماذا غضبت؟!»

 

كتب الاستاذ الدكتور وليد محمد عفيفي عميد كلية التجارة جامعة كفر الشيخ :

متابعة – محمود الهندي

لا أدري إن كنتُ سأضطر يومًا إلى التخلي عن هوايةٍ أحببتها، ووجدتُ في الكتابة متنفسًا للفكر، وراحةً للنفس، ومساحةً أُعبّر فيها عما أراه وأؤمن به، فقط لأن بعض القراء لا تعجبهم كلماتي، أو لأن مقالاتي تُثير في نفوسهم شيئًا من الضيق والغضب! .
ولكن ما يحيرني حقًّا ليس غضبهم، بل سببه…!
هل أخطأ قلمي في حق أحد؟ أم أنه أصاب موضعًا لم يكن ينبغي، في نظرهم، الاقتراب منه؟! .
هل المشكلة في الكلمات التي أكتبها، أم في البطحات التي يحملها البعض فوق رؤوسهم، فيظنون أن كل مقالٍ كُتب من أجلهم، وأن كل نقدٍ وُجّه إليهم، وأن كل عبارةٍ ساخرةٍ لا بد أن تكون سهمًا أُطلق نحو صدورهم؟! .
والعجيب أنني أكتب عن سلوكياتٍ وظواهرَ نراها في حياتنا اليومية، دون أسماء أو إشارات أو عناوين، فإذا بالبعض يسارع إلى ارتداء ثوب المقصود، وكأنه يعلن على الملأ: أنا المعنيّ بهذه الكلمات! .
يا سيدي … لم أذكر اسمك، فلماذا غضبت؟!
لقد تعلمتُ أن النقد الصادق هدية، وأن الاختلاف في الرأي لا يُفسد للفكر قضية، وأن الكاتب ليس معصومًا من الخطأ، بل عليه أن يراجع نفسه كلما وجد حجةً أقوى أو رأيًا أصوب.
لكنني تعلمتُ أيضًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين من يناقش الفكرة بعقله، ومن يستقبلها ببطحته!
فالأول يبحث عن الحقيقة، والثاني يبحث عن نفسه بين السطور!
ولعل المفارقة الطريفة أن بعض الرؤوس تحمل بطحاتٍ كثيرة، بينما رؤوسٌ أخرى تعلوها ريشة الثقة والصفاء؛ فأصحاب الريش يقرؤون ويبتسمون ويفكرون، أما أصحاب البطحات فيقرؤون ويتألمون ويتساءلون: هل يقصدني الكاتب؟! .
والمؤسف أن البعض لا يكتفي بالغضب، بل يتمنى أن يصمت القلم، وأن تختفي المرآة، وأن يتوقف الكاتب عن الكتابة، حتى لا يضطر إلى مواجهة صورةٍ لا يحب أن يراها!
وهنا أتساءل :
هل نكسر الأقلام حتى لا تتألم الرؤوس؟ وهل نخفي الحقيقة حتى لا تنكشف البطحات؟! .
إنني لا أكتب لأخاصم أحدًا، ولا لأنتصر على أحد، ولا لأُصفّي حسابًا مع أحد؛ فالكتابة عندي هوايةٌ ورسالة، والكلمة مسؤولية، والنقد محاولة للإصلاح لا وسيلة للتجريح .
ومن حق كل قارئ أن يختلف معي، بل وأن يرفض ما أكتب، ولكن ليس من حقه أن يُحمّل كلماتي ما لم أقصده، أو أن يجعل من غضبه دليلًا على خطئي .
وسأظل أراجع قلمي إن أخطأ، وأعتذر إن ظلم، وأصحح إن جانَب الصواب؛ لكنني لن أعتذر عن حقيقةٍ لمجرد أنها أيقظت بطحةً نائمة! .
وأخيرًا …
إلى كل من يقرأ مقالاتي ويشعر أنها تتحدث عنه، أقول له بكل محبة :
لا تتعجل الغضب، ولا تسارع إلى وضع يدك فوق رأسك، ولا تمنح الآخرين دليلًا لم يكونوا يبحثون عنه! .
فليس كل مقالٍ يتحدث عنك، ولكن ربما كان غضبك هو الذي تحدث عنك! .
أما أنا، فسأواصل الكتابة ما دام في العقل فكر، وفي القلب نبض، وفي القلم حبر .
فإن وجدتَ في كلماتي ريشةً، فاحتفظ بها… وإن شعرتَ ببطحةٍ، فلا تلُم القلم! .
وللقلم بقية … ما دامت البطحات تتحسس رؤوسها، والريشات تزداد ارتفاعًا!

زر الذهاب إلى الأعلى