مقالات

مشيخة الأزهر أمان المصريين        وجيه الصقار

. مشيخة الأزهر أمان المصريين

وجيه الصقار

لاشك أن مؤسسة الأزهر تمر حاليا بانتقادات شديدة من جانب البعض ومحاولة تقزيم المؤسسة الدينية العريقة بتغييب دورها حصنا للإسلام بتعديل قوانين الأسرة المصرية بما يهدمها عمدا وفق أحلام الأعداء، ونجد موقف فضيلة الإمام أحمد الطيب الصلب تجاه أعداء الدين، امتدادا لدور الأزهر الشريف فى حماية كيان الوطن ووحدته فى مواجهة مظالم الحكام عبر العصور، تراوحت هذه العلاقة بين الصدام الصريح دفاعاً عن الحقوق، والمطالبة بالإصلاح، لعل أبرز المحطات أن منصب “شيخ الجامع الأزهر” تأسس رسمياً في العهد العثماني فى عام 1690م، وكان الشيخ يُنتخب من بين كبار العلماء، مما منحه استقلالية وهيبة كبيرة أمام الولاة والحكام. وفي أواخر القرن 18، قاد الشيخ عبد الله الشرقاوي مع علماء الأزهر ثورات شعبية ضد مظالم المماليك والولاة العثمانيين وفرض الضرائب الباهظة. وأجبر الحكام على توقيع وثيقة تاريخية تتعهد بعدم فرض ضرائب إلا بموافقة العلماء، وعندما دخل نابليون بونابرت مصر فى عام 1798، حاول استمالة شيوخ الأزهر عبر “الديوان”، لكن الأزهر كان وقود “ثورة القاهرة الأولى والثانية”. وقاد علماؤه المقاومة، ودفع بعضهم حياته الثمن بإعدام عدد من المشايخ بـأمر من نابليون. وفي عام 1805، قاد عمر مكرم نقيب الأشراف ومعه الشيخ الشرقاوي والعلماء ثورة شعبية عزلوا بها الوالي العثماني “خورشيد باشا”، واختاروا محمد علي حاكماً بشروطهم على “أن يسير بالعدل وألا يقضي أمراً إلا بمشورتهم”. ومع تمكن محمد علي من الحكم، عمل على إضعاف النفوذ السياسي المباشر للمشايخ وتأميم الأوقاف لتقليص استقلاليتهم المالية، لكن المواقف القوية استمرت. كما ارتبط اسم شيخ الأزهر محمد الخراشي بعبارة “يا خراشي” التي كان يطلقها المستغيثون من مظالم الحكام والجنود، وكان يتحرك بنفسه لرد المظالم لدى الوالي. ويشهد للشيخ محمد المهدي والشيخ أحمد العروسي رفضهما مجاراة رغبات بعض الولاة في فرض إتاوات على الشعب، وحافظا على استقلال المشيخة في إدارة شؤونها. وفى العهد الملكي مع معارك الدستور والشرعية شهدت مواقف شهيرة لشيوخ الأزهر في مواجهة القصر (الملك) أو الحكومات الحزبية، ويحسب للشيخ محمد المراغي أشهر المواقف عندما طلب منه الملك فاروق إصدار فتوى تمنع زوجته السابقة الملكة فريدة من الزواج بعد طلاقهما. رفض الشيخ المراغي بشدة، ووجّه كلمته التاريخية للملك:”إن المراغي لا يستطيع أن يُحرم ما أحل الله”. كما رفض رغبة الملك في إعلان نفسه “خليفة للمسلمين” وبشكل صوري بضغط من القصر. ودافع الشيخ الظواهري عن استقلال الأزهر وخاض معارك للحفاظ على المناهج الأزهرية وهيبة العمامة ضد التدخلات السياسية من الحكومات المتعاقبة، و بعد ثورة يوليو 1952، صدر قانون تطوير الأزهر فى عام 1961 الذي جعل تعيين شيخ الأزهر بقرار من رئيس الجمهورية، مما خلق معادلة جديدة بين الحفاظ على الاستقلالية الفقهية والالتزام برؤية الدولة السياسية، ومع ذلك برزت مواقف لا ننسى للشيخ عبد الحليم محمود في عهد الرئيس أنور السادات، الذى أصدر قرارا جمهوريا بتقليص صلاحيات شيخ الأزهر لصالح وزير الأوقاف ورفض الشيخ هذا التهميش وقدم استقالته فوراً، واعتكف في منزله وامتنع عن تقاضي راتبه، وحدثت أزمة كبرى للدولة، مما اضطر الرئيس السادات للتراجع وإصدار قرار جديد يمنح شيخ الأزهر حصانة وصلاحيات واسعة تُعادل رئيس الوزراء. وغير بعيد موقف الشيخ جاد الحق علي جاد الحق وكان معروفاً بصرامته وعدم مجاراته للسلطة في الأمور الشرعية. في عهد الرئيس حسني مبارك، وقف الشيخ بقوة ضد وثيقة مؤتمر السكان الدولي الذي عُقد في القاهرة فى عام 1994 الذى اعتمد المثلية وغيرها، واعتبر بعض بنودها مخالفة للشريعة الإسلامية، رغم حشد الدولة الإعلامي والسياسي لإنجاح المؤتمر. كما تصدى لقرارات حكومية تخص الحجاب والتعليم الأزهري أما الشيخ محمد سيد طنطاوي اتسمت فترته بالمرونة والتقارب مع توجهات الدولة السياسية، مما عرضه لانتقادات بعض التيارات المستقلة ثم جاء دور الإمام أحمد الطيب فى عام 2010، وعاصر تحولات سياسية واجتماعية ضخمة في مصر بثورتي 25 يناير و30 يونيو وما تلاهما، وتميزت مواقفه بـتأصيل استقلالية الأزهر الدستورية وفى عامى 2011-2012 أصدر الأزهر تحت قيادته وثائق حظيت بإجماع وطني حول “مستقبل مصر” ودعم “الدولة المدنية الحديثة”وحريات التعبير والاعتقاد، مما منع استقطاب المؤسسة لصالح أي فصيل سياسي. وتمسك بتحصين الأزهر في تعديلات دستور 2014 بأن يكون الأزهر هيئة إسلامية علمية مستقلة، وأن منصب شيخ الأزهر “غير قابل للعزل”، لضمان عدم خضوع الإمام الأكبر للضغوط السياسية.وهناك مواجهات علنية فى مشكلة قضية “الطلاق الشفهي” وتجديد الخطاب الديني؛ حيث تمسك الشيخ برأي هيئة كبار العلماء بالأزهر استناداً إلى الأحكام الفقهية المستقرة، مؤكداً أن التجديد لا يعني هدم الثوابت.

زر الذهاب إلى الأعلى