من الغرب بـ “حسن نية”: كيف تحوّل شعار “تحرر المرأة”
إلى أداة لتفكيك الأسرة المصرية؟
بقلم/صلاح متولي
في العقود الأخيرة، لم تعد المعارك الثقافية تُدار بالجيوش والأسلحة التقليدية، بل بالنظريات الاجتماعية والأنماط المعيشية الموجهة عبر الشاشات، والدراما، والمنصات الرقمية. وفي قلب هذه المعركة الناعمة، تقف “المرأة المصرية” في موقع الهدف الرئيس. تحت عناوين برّاقة مثل “التحرر”، “الاستقلالية الفردية”، و”كسر القواعد”، جرى تصدير نموذج غربي مصمَم لمجتمعات قائمة على الفردية المطلقة، وزرعه قسراً في بيئة اجتماعية شرقية يعتمد وجودها واستقرارها بالأساس على تماسك الأسرة والتكافل بين أفرادها.
الكذبة الكبرى في هذه الوصفة المستوردة لا تكمن في فكرة العدالة أو منح المرأة حقوقها المشروعة — فهذه قيم إنسانية وأخلاقية أصيلة — بل في إعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة كصراع وجودي بدلاً من كونها شراكة تكاملية. أُزيلت مفاهيم “السكن”، “المودة”، و”الرباط الأسري”، ليُستبدل بها منطق “الند بالند” و”الاستغناء التام”. تحول البيت المصري في الخطاب الغربي الوافد من مساحة حماية ودعم متبادل إلى “حلبة نزاع صامتة”، تُغذيها البرامج والمنصات الموجهة التي تصوّر كل تنازل أو مودة يقدمها أحد الطرفين على أنها “استعباد”، وكل تمسك بكيان الأسرة على أنه “سجن ورجعية”.
هذا النمط من التحرر التخريبي لا يخدم المرأة بقدر ما يُفكك شبكة الأمان الاجتماعية الحقيقية لها ولأطفالها. الغرب يصدّر نموذجاً يرى في “الاستهلاك” والعمل المستمر لمصلحة المؤسسات الرأسمالية قيمة تعلو فوق قيمة بناء عائلة مستقرة وتربية أجيال متوازنة. أصبحت القيمة الاجتماعية للمرأة في هذا الخطاب تُقاس بمقدار قدرتها على التمرد والانسلاخ عن مجتمعها، لا بمقدار قدرتها على البناء والعطاء والتأثير الحقيقي. والنتيجة المباشرة لهذا التجريف الثقافي لم تكن تمكيناً بل ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات التفكك الأسري، وتراجع إقبال الشباب على الزواج، ونشأة أجيال تعاني من الشتات النفسي والتربوي.
علاوة على ذلك، يمارس هذا الخطاب نوعاً من الاستعمار الفكري المبطن؛ إذ يفترض أن المرأة الشرقية مسلوبة الأهلية والوعي حتى تتبنى معايير الحياة الغربية بحذافيرها. يُلغى التنوع الثقافي، وتُنسخ قيم مجتمعات تعاني هي نفسها اليوم من أزمات ديموغرافية وأخلاقية طاحنة بسبب انهيار مؤسسة الزواج والأسرة لديها. وتتحول بعض المنصات والمؤسسات الممولة إلى منافذ لترويج أفكار تطعن في الهوية الوطنية والدينية، محاولةً إعادة تشكيل المنظومة القيمية للمجتمع ككل بدءاً من المرأة.
إن حماية المرأة المصرية ودعم دورها الحقيقي في المجتمع لا تقتضي بالضرورة استيراد أزمات المجتمعات الأخرى أو تدمير البناء الأسري. التحرر الحقيقي هو الوعي الذاتي الذي يفرّق بين الحقوق والكرامة الأصيلة، وبين الأجندات الثقافية التي تستهدف إضعاف المجتمعات عبر تفكيك النواة الصلبة التي تحفظ تماسكها: الأسرة. عندما تتحول المرأة من صانعة مجتمع وأساس لتماسكه إلى أداة في معركة تقاطعية ضد مجتمعها، لا يخسر الرجل وحده، بل تخسر المرأة، ويسقط المجتمع بأكمله.







