صدى مصرمقالاتمنوعات

من «زقاق المدق» إلى تطوان وفاس وسلا… هل تطوّر العمران وتراجع الإنسان؟

حين قتل البناء المتحضّر الحارة

حين قتل البناء المتحضّر الحارة

من «زقاق المدق» إلى تطوان وفاس وسلا… هل تطوّر العمران وتراجع الإنسان؟

 

بقلم: عبد المجيد عبوبي

كانت لكل ليلة في الحارة حكاية.

لم تكن الحارة المصرية وحدها تعرف هذا السر؛ ففي تطوان وفاس وسلا، كما في القاهرة، كانت الأزقة الضيقة تحفظ العلاقات نفسها تقريباً: الجار يعرف جاره، والعائلة تمتد خارج جدران البيت، والحرفي جزء من ذاكرة المكان، والباب ليس مجرد خشب، بل علامة على بيت له تاريخ.

حتى البناء كان يتشابه في فلسفته: أبواب تحمي الخصوصية، أفنية تجمع العائلة، أزقة تصنع اللقاء، وماء يُدار بعقل جماعي. كانت الصناعة التقليدية نفسها جزءاً من هذا النسيج؛ الصانع لا يصنع سلعة فقط، بل يصنع ذاكرة مدينة.

لكن القاهرة استطاعت أن تفعل شيئاً استثنائياً.

حوّلت الحارة إلى ذاكرة عربية مشتركة.

حين كتب نجيب محفوظ «زقاق المدق»، لم يكن يكتب عن زقاق مصري فحسب؛ كان يفتح نافذة على مجتمع عربي كامل، يرى نفسه في العلاقات الإنسانية، وفي الحلم والفقر والحب والغيرة والصراع والتحولات.

ثم جاءت السينما والتلفزيون المصري، فحملا الحارة المصرية إلى كل بيت عربي تقريباً. أصبح المشاهد في المغرب، كما في المشرق، يرى نفسه في تفاصيل قد تكون مصرية في لهجتها، لكنها عربية في وجدانها.

وهنا تكمن عبقرية الدراما المصرية:

لقد جعلت من خصوصية المكان المصري لغةً يفهمها الوجدان العربي كله.

والجميل أن المشاهد في تطوان كان يستطيع أن يرى في القاهرة شيئاً من تطوان، وأن يرى الفاسي في الحارة المصرية ملامح من حارته، وأن يجد السلاوي في العلاقات الاجتماعية على الشاشة شيئاً من ذاكرته.

تختلف اللهجات، وتتغير الأسماء، لكن الحكاية واحدة.

الجيران.

العائلة.

الحرفة.

الزواج والتصاهر.

المرأة.

الشيخ.

الدكان.

الباب.

الماء.

والحكايات التي تبدأ في المساء ولا تنتهي إلا مع الفجر.

ثم جاء البناء المتحضّر.

ارتفعت العمارات، واتسعت الشوارع، وصعد الإنسان إلى الطوابق العليا، لكن شيئاً آخر بدأ يهبط:

العلاقة الإنسانية.

لم يعد الجار يعرف الجار، ولم تعد العائلة الكبيرة تجتمع كما كانت، ولم تعد العتبة مكاناً للحديث، ولا الدكان مركزاً للأخبار، ولا الحارة مسرحاً يومياً للحياة.

لكن هل نحمّل العمارة وحدها المسؤولية؟

هنا يدخل علم الاجتماع وعلم النفس إلى السؤال.

ربما لم يقتل التطور الحارة؛ ربما كان المجتمع نفسه يتغير، والعمل يتغير، والأسرة تتغير، والخصوصية أصبحت مطلباً، والمدينة أصبحت أكثر سرعة وتعقيداً.

لكن السؤال يبقى موجعاً:

إذا كان التطور قد أعطانا مساكن أكثر راحة، فلماذا أخذ منا جيراناً أكثر قرباً؟

من القاهرة إلى تطوان، ومن فاس إلى سلا، كانت الذاكرة الشعبية تعرف أن الإنسان لا يعيش داخل البيت فقط، بل يعيش في العلاقة التي تربطه بما حوله.

لهذا لا ينبغي أن نبكي الحارة باعتبارها حجارة قديمة.

نحن نبكي شيئاً أكبر:

نبكي زمناً كان الإنسان فيه يسكن المكان، ويسكن أيضاً في قلوب الآخرين.

أما اليوم، فقد نسكن في برج واحد، ونعيش غرباء.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل تطوّر البناء المتحضّر… أم أننا بنينا مدناً أكثر ارتفاعاً، وتركنا الإنسان في الأسفل؟

زر الذهاب إلى الأعلى