مقالاتمنوعات

الرصاصة لا تزال في جيبي… والهدف لم يتغير. بقلم د / طارق هلال

الرصاصة لا تزال في جيبي… والهدف لم يتغير

 

بقلم د / طارق هلال

هناك أفلام تشاهدها مرة فتستمتع بها، وأفلام تشاهدها بعد سنوات فتكتشف أنها كانت تقول لك شيئاً لم تكن مستعداً لسماعه وقتها. ومن هذه الأفلام «الرصاصة لا تزال في جيبي»، ذلك العمل الذي جمع بين أدب إحسان عبد القدوس، ورؤية المخرج حسام الدين مصطفى، وأداء محمود ياسين، ليقدم لنا حكاية إنسان عاد من الحرب، لكنه لم يعد من الحلم.

والحكاية هنا ليست مجرد رصاصة يحملها جندي في جيبه، ولا مجرد ذكرى لحرب وانتصار، وإنما سؤال أكبر بكثير: ماذا تفعل عندما يكون لديك هدف؟ وهنا تبدأ السخرية الجميلة في الحكاية… لأننا أحياناً نتعامل مع أهدافنا كما لو كانت رصاصة في الجيب: نحتفظ بها سنوات، نتحدث عنها كثيراً، ونخبر الجميع أننا نعرف طريقنا إليها، لكننا لا نخرجها من جيوبنا أبداً!.

أما بطل الفيلم، فكانت لديه قضية مختلفة. كان يحمل رصاصته، ويحمل معها مرارة تجربة لم تكتمل، وحلماً لم يسقط. كانت النكسة جرحاً، لكن الجرح لم يتحول إلى استسلام.

وهنا تكمن قيمة الفيلم الحقيقية؛ فالإنسان قد يخسر جولة، لكنه لا يصبح خاسراً ما دام يعرف هدفه.

والأجمل أن الفيلم لم يكن يبحث عن «ميدالية» بقدر ما كان يبحث عن إصابة هدف.

وهذا هو الفارق بين من يعمل من أجل أن يراه الناس، ومن يعمل لأنه يؤمن بما يفعل.

الميدالية تأتي بعد الإنجاز، أما الهدف فهو الذي يجعلك تتحمل الطريق كله.

ولذلك، حين جاءت لحظة أكتوبر، لم تكن الرصاصة مجرد قطعة من المعدن خرجت من سلاح. كانت وراءها إرادة وطن كامل قرر أن يستعيد حقه، وجيش يستعد، وشعب يتحمل ويساند، وأجيال تؤمن بأن ما حدث في يونيو 1967 ليس نهاية التاريخ.

كان هناك هدف واضح.

تحرير الأرض واستعادة الكرامة. وهنا يصبح الفيلم أكثر من عمل فني، يصبح درساً في معنى الإصرار. فالهدف الكبير لا يتحقق لأن الطريق سهل، وإنما لأن صاحبه يرفض أن يتنازل عنه. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا بقي «الرصاصة لا تزال في جيبي» حاضرًا في الذاكرة.

لأنه لم يحدثنا فقط عن جيل الحرب، بل حدثنا عن كل إنسان لديه حلم ويواجه من يقول له: «خلاص…مش هتقدر»

والغريب أننا في حياتنا اليومية نملك عدداً هائلاً من «الخبراء» الذين يعرفون مسبقاً لماذا لن تنجح! واحد يقول لك: السوق صعب.

وآخر يقول: الظروف لا تسمح.

وثالث يتساءل: ولماذا أنت تحديداً؟ ورابع يفضل أن تظل واقفاً مكانك حتى لا تزعج أصحاب المقاعد الأمامية! لكن التاريخ لا يصنعه الذين جلسوا ينتظرون الظروف المناسبة.

التاريخ يصنعه الذين عرفوا هدفهم، ثم بدؤوا العمل من حيث يستطيعون.

والرسالة لا تتوقف عند تحقيق الأحلام الشخصية. فهناك هدف أكبر يجب أن يبقى حاضراً في وعي كل جيل: الوطن.

الوطن الذي دفع أبناؤه ثمناً غالياً كي تبقى أرضه حرة، لا يحتاج من أبنائه أن يعيشوا على ذكريات الانتصار فقط، وإنما يحتاج أن يحولوا معنى الانتصار إلى عمل.

فالجيل الذي حقق نصر أكتوبر كانت مهمته أن يعبر القناة ويحرر الأرض، أما أجيال اليوم فلكل منها معركتها: أن تتعلم، وتنتج، وتبتكر، وتحمي وعيها، وتبني مؤسساتها، وتحافظ على بلدها من كل من يريد إضعافها أو تشويه صورتها أو زرع اليأس في نفوس أبنائها.

وهنا تظهر «الرصاصة» بمعناها الجديد. رصاصة الشاب قد تكون كتاباً يقرأه. ورصاصته قد تكون فكرة مبتكرة. وقد تكون مشروعاً ينجح فيه.

وقد تكون كلمة حق يقولها في وقت يحتاج فيه الناس إلى الحقيقة. وقد تكون علماً يتعلمه ثم يستخدمه في خدمة بلده.

أما الخائن والعدو، فليس المطلوب أن نحولهما إلى هاجس دائم في حياتنا، المطلوب ببساطة ألا نسمح لهما بأن يحددا لنا اتجاهنا. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يترك خصمه يختار له هدفه.

وهنا تعود إلينا رصاصة الفيلم مرة أخرى. لا تطلقها في الهواء. لا تهدر طاقتك في معارك جانبية.

لا تجعل الحقد هدفاً. لا تجعل الشهرة هدفاً. لا تجعل تصفيق الناس هدفاً. اجعل لك هدفاً حقيقياً، واعرف لماذا تريده، ثم تحمل مشقة الوصول إليه. فالفارق بين الحلم والوهم أن الحلم له طريق، والوهم يكتفي بالكلام.

ولعل أعظم ما تركته لنا تجربة أكتوبر أن النصر يبدأ قبل المعركة، يبدأ عندما يؤمن الإنسان أن الهزيمة ليست قدراً أبدياً، وأن ما ضاع يمكن استعادته، وأن المستحيل يصبح ممكناً عندما يتحول إلى هدف تتكاتف الإرادة لتحقيقه. ولهذا فإن الرصاصة التي بقيت في جيب بطل الفيلم لم تكن مجرد رصاصة. كانت وعداً. وكانت ذاكرة. وكانت هدفاً ينتظر لحظته.

واليوم، كل جيل لديه «رصاصته» الخاصة، لكن السؤال ليس: ماذا تحمل في جيبك؟ السؤال الحقيقي هو: إلى أين تصوّب؟ فإن كنت تريد النجاح، صوب إليه. وإن كنت تريد أن تبني نفسك، صوب إليه. وإن كنت تريد أن تخدم وطنك، صوب إليه. وإن كنت تحمل حلمًا حقيقيًا، فلا تسمح لأحد أن يقنعك بأن الطريق انتهى. لأن الرصاصة التي تعرف هدفها لا تضيع…والهدف الذي تؤمن به لا يموت.

وربما لهذا السبب لا تزال الرصاصة في جيوب ذاكرتنا حتى اليوم؛ لأنها تذكرنا بأن أكتوبر لم يكن مجرد نصر عسكري، بل كان درسًا خالداً في الإرادة. رصاصة لم تبحث عن ميدالية… وإنما بحثت عن وطن. وهكذا يبقى الدرس لكل جيل: اعرف هدفك، صوب إليه، واعمل من أجله… واحم وعيك مما يحاول أن يصرفك عنه.

فالأوطان لا تنتصر فقط في ساحات القتال، وإنما تنتصر أيضًا عندما يكون أبناؤها واعين بما يدور حولهم، قادرين على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الاختلاف والفتنة، وبين النقد والبناء من جهة، ومحاولات الهدم من جهة أخرى.

فالرصاصة التي تعرف هدفها لا تضيع…والوعي الذي يعرف وطنه لا يضلل

زر الذهاب إلى الأعلى