نبيل أبوالياسين يكتب : انشقاق الجمهوريين عن ترامب.. اعترافات الكونغرس تهز العرش
نبيل أبوالياسين يكتب : انشقاق الجمهوريين عن ترامب.. اعترافات الكونغرس تهز العرش

نبيل أبوالياسين يكتب : انشقاق الجمهوريين عن ترامب.. اعترافات الكونغرس تهز العرش
في مشهد يشبه الغليان البطيء، لم يعد الصمت حليفاً للجمهوريين حول ترامب. بدأت “هجرة” صامتة داخل الحزب، كما يصفها السيناتور السابق جيف فليك، حيث يتحرك الأعضاء واحداً تلو الآخر بعيداً عن مدار الرئيس ترامب. رياح التغيير بدأت تهب بقوة، والاعترافات التي تتدفق من أروقة الكونغرس تشير إلى أن العرش الترامبي لم يعد منيعاً. هذه ليست مجرد معارضة عابرة، بل هي إعادة تشكيل لهوية الحزب الذي يتأرجح بين الولاء المطلق وضرورات البقاء السياسي.
بداية الهجرة: نار تحت الرماد
لم تكن انتقادات السيناتور جيف فليك لترامب وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لمسيرة من المعارضة العلنية التي دفع ثمنها مبكراً. في مقاله الشهير بواشنطن بوست، شبه ما يحدث داخل الحزب بـ”هجرة القطيع”، حيث يبدأ فرد أو اثنين بالتحرك نحو بر الأمان سياسياً، بينما يتظاهر الباقون بعدم الملاحظة. هذه الهجرة لم تكن جماعية، لكنها تحمل في طياتها بذور تحول أكبر. فليك، الذي غادر الكونغرس عام 2019، لم يعد وحده في هذه المعركة؛ لقد انضم إليه جمهوريون آخرون بدأوا يشككون في اتجاه الحزب تحت قيادة ترامب، معتبرين أن “المناخ السياسي الذي كان يكافئ الولاء المطلق يتغير”.
أصوات التمرد: من هم الجمهوريون المعترضون؟
لم تقتصر المعارضة على جيف فليك فقط، بل امتدت إلى شخصيات بارزة مثل السناتور راند بول، الذي انتقد سياسات ترامب الجمركية بشدة، والنائبة مارجوري تايلور غرين التي خالفت الرئيس علناً في عدة قضايا. هذه الانشقاقات، وإن بدت صغيرة، إلا أنها تعطي “غطاء” للآخرين الذين كانوا يخشون التعبير عن شكوكهم. اللجنة البرلمانية التي تحقق في أحداث 6 يناير/كانون الثاني 2021، والتي وصفها ترامب بـ”المهزلة القضائية”، كشفت أيضاً عن أدلة مهمة حول دور ترامب في التحريض على العنف، مما دفع بعض الجمهوريين إلى إعادة تقييم مواقفهم.
رياح التغيير: الانتخابات ناقوس خطر
أشار فليك إلى أن الأداء الضعيف للمرشحين الجمهوريين في الانتخابات الأخيرة، خاصة في ولايته أريزونا، كان بمثابة جرس إنذار للحزب. فقد خسر الجمهوريون مقاعد في مجلس الشيوخ والمحافظية لصالح الديمقراطيين، مما أكد أن استراتيجية ترامب لم تعد مجدية. كما أن انتخابات منتصف المدة المقبلة في 2026 تهدد بتحول أكبر، حيث سيواجه المرشحون خياراً صعباً: إما الاستمرار في تبني سياسات ترامب الشعبوية، أو العودة إلى جذور الحزب المحافظة التقليدية القائمة على الأسواق الحرة والمشاركة العالمية.
الولاء مقابل الانشقاق: إليز ستيفانيك نموذجاً
في الجهة المقابلة، تمثل النائبة إليز ستيفانيك نموذجاً للجمهوري المخلص لترامب، حيث دفعها ولاؤها إلى الصعود إلى المرتبة الثالثة في قيادة الحزب بمجلس النواب. ستيفانيك، التي أعلنت ترشحها لمنصب الحاكم في نيويورك، تسعى لتحويل نفسها إلى زعيمة لتيار “ماغا” داخل الحزب. لكن هذا الولاء قد يكون عبئاً عليها في ولاية يسيطر عليها الديمقراطيون ويكثر فيها من يكرهون ترامب. حملتها التي تركز على مهاجمة الخصوم مثل كاثي هوشول وزهران ممداني تظهر أنها تضع كل رهانها على استمرار التيار الترامبي، رغم العواصف التي تواجهه.
إرث تشيني: الحرب والانعزالية
لا يمكن فهم التحولات داخل الحزب الجمهوري دون النظر إلى إرث شخصيات مثل ديك تشيني، الذي مثل جناح المحافظين التقليديين المؤمنين بالهيمنة الأمريكية عالمياً. تشيني، الذي وصفه النقاد بأنه “مهندس الحرب على الإرهاب”، كان يؤمن بسلطة تنفيذية مطلقة، وهي فكرة يبدو أن ترامب قد تبناها بطريقته. لكن فليك وغيره من الجمهوريين المعتدلين يرون أن هذا الإرث من “الانعزالية في الخارج والشعبوية في الداخل” لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن الحزب يحتاج إلى العودة إلى نموذج يقوده “المحافظون التقليديون” الذين يؤمنون بالحكومة المحدودة وأمريكا التي تقود بالمثال لا بالترهيب.
واختم مقالي بالقول: ها هي “هجرة” الجمهوريين بعيداً عن ترامب قد بدأت، كما تنبأ جيف فليك. لن تكون انزياحاً جماعياً مفاجئاً، ولكنها ستكون حركة متدرجة، تصويتاً تلو الآخر، مقاطعة بعد أخرى. بعضهم سينشق بدافع القناعة، والآخر بدافع الضرورة السياسية. لكن في النهاية، سيجد الحزب نفسه في مكان جديد قديم، متجذر في التفاؤل والتجارة الحرة والإيمان بأن أمريكا تقود بشكل أفضل عندما تشارك ولا تتراجع. المعركة ليست بين ترامب وغيره، بل هي معركة لاستعادة روح الحزب الذي ضل طريقه. والوقت وحده كفيل بكشف مصير العرش الترامبي، لكن المؤكد أن أساساته لم تعد متينة كما كانت.





