هل يتصارع العالم على الأرض أم على مفاتيح القوة؟
بقلم: نجوى نصر الدين
بينما تنشغل شاشات الأخبار بمتابعة الصواريخ والقنابل، ويتابع العالم تطورات الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وتتصدر أسماء القادة والمواجهات العسكرية عناوين الصحف، ربما هناك معركة أخرى تستحق أن نتوقف أمامها قليلًا؛ معركة لا تُقاس بعدد الصواريخ، ولا بعدد الجنود، وإنما بحجم النفوذ الاقتصادي والسيطرة على مفاتيح المستقبل.
إنها معركة التنافس على قيادة العالم.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل ليس فقط: من انتصر في هذه الحرب أو تلك؟ بل: من يملك القدرة على التأثير في اقتصاد العالم، ومن يستطيع التحكم في مصادر الطاقة والتكنولوجيا وطرق التجارة؟
لننظر إلى الصين، القوة الاقتصادية الصاعدة التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في معادلات السياسة الدولية.
الصين تحتاج إلى الطاقة لتشغيل مصانعها، وإلى الأسواق لتسويق منتجاتها، وإلى طرق التجارة لتأمين مصالحها، وإلى التكنولوجيا المتقدمة للحفاظ على قدرتها التنافسية.
ومن هنا تكتسب ملفات فنزويلا وإيران وروسيا والخليج العربي أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية.
ففنزويلا وإيران من مصادر النفط التي اعتمدت عليها الصين، وروسيا شريك مهم في إمدادات الطاقة، بينما تمثل دول الخليج ثقلًا استراتيجيًا في سوق النفط العالمي
لكن هل يعني ذلك أن كل أزمة تشهدها هذه الدول جزء من خطة أمريكية موحدة لمحاصرة الصين؟
ليس بالضرورة.
فالعلاقات الدولية أكثر تعقيدًا من اختزالها في تفسير واحد، ولا توجد أدلة كافية تثبت أن جميع هذه التحركات تستهدف الصين وحدها.
لكن المؤكد أن الطاقة أصبحت إحدى أهم أدوات الصراع على النفوذ الدولي.
وهنا تظهر حقيقة أخرى:
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط للسيطرة على الأرض، بل للسيطرة على ما يجعل الأرض منتجة وقوية ومؤثرة.
فالطريق التجاري قد يكون أهم من القاعدة العسكرية، ومصدر الطاقة قد يكون أكثر تأثيرًا من جيش كامل، وشريحة إلكترونية صغيرة قد تحمل من الأهمية الاستراتيجية ما يفوق قيمة أسلحة كثيرة.
ولذلك فإن تايوان ليست مجرد جزيرة في شرق آسيا، بل أصبحت نقطة محورية في التنافس التكنولوجي العالمي؛ إذ تحتل موقعًا بالغ الأهمية في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة.
ومن يراقب التنافس الأمريكي الصيني يدرك أن المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي، وإنما تنافس على مستقبل الاقتصاد والتكنولوجيا والنظام الدولي.
وهنا نستحضر نظرية صعود القوى الكبرى وتراجعها، التي تناولها المستثمر والمحلل الأمريكي راي داليو، والتي تشير إلى أن صعود قوة جديدة في مواجهة قوة مهيمنة قد يرفع احتمالات الصدام والتوتر.
لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة بالصورة ذاتها؛ فالعالم اليوم أكثر ترابطًا، والاقتصادات أكثر تشابكًا، وأي مواجهة كبرى لن يدفع ثمنها طرفا الصراع وحدهما، بل قد تمتد آثارها إلى العالم كله
والأمر اللافت أن الحروب لا تُنتج خسائر عسكرية فقط، بل تفتح أسواقًا جديدة للسلاح، وتعيد ترتيب التحالفات، وتؤثر في أسعار الطاقة، وتخلق فرصًا ومخاطر اقتصادية هائلة.
فحين ترتفع المخاطر الأمنية، تتجه الدول إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، وتصبح تجارة السلاح جزءًا من المعادلة الاقتصادية والسياسية.
لكن وسط هذه الحسابات الكبرى، هناك حقيقة كثيرًا ما تغيب عن المشهد:
أن الشعوب ليست قطع شطرنج على رقعة السياسة الدولية، وأن المواطن البسيط لا تعنيه انتصارات القوى الكبرى بقدر ما يعنيه أمنه ورغيف خبزه واستقرار وطنه ومستقبل أبنائه.
فالحرب التي يراها السياسي فرصة لإعادة ترتيب النفوذ، قد يراها المواطن فقدانًا للأمان وارتفاعًا للأسعار وضياعًا للمستقبل.
ولذلك علينا ألا نكتفي بمتابعة من أطلق الصاروخ، ومن رد عليه، ومن أعلن انتصاره؛ بل علينا أن نسأل أيضًا: من يدفع الثمن؟ ومن يجني المكاسب؟ ومن يملك مفاتيح المرحلة القادمة؟
إن العالم لا يتغير فقط عندما تتغير الحدود، بل عندما تتغير موازين القوة.
وقد لا تكون المعركة القادمة على بئر نفط أو ميناء بحري أو جزيرة استراتيجية فحسب، بل على من يمتلك مفاتيح الطاقة والتكنولوجيا والمال والمعرفة.
ففي عالم اليوم، قد لا تحتاج إلى احتلال دولة كي تؤثر في قرارها، ولا إلى تدمير مصنع كي تضعف اقتصادًا؛ يكفي أحيانًا أن تتحكم في مصدر طاقته، أو تمنعه من الوصول إلى التكنولوجيا، أو تعيد رسم طرق تجارته.








