الدين و الحياةمقالات

يشهّر به في الأسواق. بقلم / محمـــد الدكـــروري

يشهّر به في الأسواق

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدي والفرقان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله سيد ولد عدنان، صلى عليه الله وملائكته والمؤمنون، وعلى آله وأزواجه وخلفائه وجميع أصحابه ومن تبعهم بإحسان ثم أما بعد، إن الإحسان هو سبب لتفريج الكرب وزوال الهم وزيادة في التيسير والستر حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” وإن في عقوبة شاهد الزور يقول أبو يوسف ومحمد وبعض المالكية.

أنه إذا ثبت عند القاضي أو الحاكم عن رجل أنه شهد بالزور، عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به في المجالس، لما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه ضرب شاهد زور أربعين سوطا، وسخم وجهه، وعن الوليد بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إلى عمّاله بالشام، إذا أخذتم شاهد الزور، فاجلدوه بضربه أربعين سوطا، وسخّموا وجهه، وطوفوا به حتى يعرفَه الناس، ويحلق رأسه ويطال حبسه لأنه أتى كبيرة من الكبائر، وقد قرن الله سيحانه وتعالى بين شهادة الزور وبين الشرك، فقال فى سورة الحج ” فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور” ولأن هذه الكبيرة يتعدى ضررها إلى العباد بإتلاف أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا أقر الشاهد أنه شهد زورا، يشهّر به في الأسواق إن كان سوقيا.

أو بين قومه إن كان غير سوقي، وذلك بعد صلاة العصر في مكان تجمع الناس، ويقول المُرسل معه إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، وحذروه الناس، ولا يعزّر بالضرب أو الحبس لأن شريحا كان يشهر شاهد الزور ولا يعزّره، وكان قَضاياه لا تخفى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكرا، ولأن المقصود هو التوصل إلى الانزجار، وهو يحصل بالتشهير، بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب، فيكتفى به، والضرب، وإن كان مبالغة في الزجر لكنه يقع مانعا عن الرجوع، فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه، وقد ذكر الزيلعى نقلا عن الحاكم أبى محمد الكاتب أن هذه المسألة على ثلاثة أوجه، أحدها أن يرجع على سبيل التوبة والندامة، فإنه لا يعزر بإجماع أئمة الحنفية، والثاني أن يرجع من غير توبة، وهو مصر على ما كان منه.

فإنه يعزر بإجماعهم، والثالث ألا يعلم رجوعه بأى سبب فإنه على الاختلاف الذي ذكرنا، وأما عن القضاء بشهادة الزور، وأنه ذهب جمهور الفقهاء، من المالكية والشافعية والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وإسحاق وأبو ثور، إلى أن قضاء الحاكم بشهادة الزور ينفذ ظاهرا لا باطنا، لأن شهادة الزور حُجة ظاهرا لا باطنا، فينفذ القضاء كذلك، لأن القضاء ينفذ بقدر الحجة، ولا يزيل شيئا عن صفته الشرعية، سواء العقود من النكاح وغيره والفسوخ، فلا يحل للمُقضى له بشهادة الزور ما حُكم له به من مال أو بضع أو غيرهما، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار”

وقال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، ينفذ القضاء بشهادة الزور ظاهرا وباطنا فى العقود والفسوخ، حيث كان المحل قابلا، والقاضي غير عالم بزورهم، لقول الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه، لامرأة أقام عليها رجل بينة على أنه تزوجها، فأنكرت، فقضى له علي رضي الله عنه فقالت له لِما تزوجنى ؟ أما وقد قضيت عليّ، فجدد نكاحي، فقال لاأجدد نكاحك، الشاهدان زوجاك، فلو لم ينعقد النكاح بينهما باطنا بالقضاء، لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، وأما في الأملاك المرسلة، أي التي لم يذكر لها سبب معين “فإن الفقهاء أجمعوا على أنه ينفذ ظاهرا لا باطنا لأن الملك لا بد له من سبب، وليس بعض الأسباب بأَولى من البعض، لتزاحمها، فلا يمكن إثبات السبب سابقا على القضاء بطريق الاقتضاء.

زر الذهاب إلى الأعلى