الشعر يتجدّد ولا يبدأ من الصفر
بقلم عبد المجيد
لا يبدأ الشاعر من صفحة بيضاء تمامًا. فالكلمات التي يكتب بها تحمل آثار من سبقوه، والصور التي يبتكرها قد توقظ فينا صدى قصائد قديمة. ومع ذلك، لا يكون التجديد في تكرار هذه الأصوات، ولا في محاولة إسكاتها، بل في منحها حياة أخرى. من هنا يمكن أن نفهم حركية الشعر: قدرته على أن يتغيّر وهو يحاور ذاكرته، وأن يقول شيئًا جديدًا بلغة لها ماضٍ.
قد توحي بعض القراءات بأن تاريخ الشعر سلسلة من المعارك، تنتصر فيها قصيدة على أخرى، ويأتي كل جيل ليعلن نهاية الجيل السابق. غير أن هذه الصورة لا تكفي لفهم ما يحدث داخل النصوص. فالأشكال قد تختلف، لكن الأسئلة تعود، والصور تتبدل، لكن بعض ظلالها يظل حاضرًا. وقد تلتقي قصيدتان متباعدتان في الزمن عند إحساس بالفقد، أو رغبة في الحرية، أو سؤال عن معنى الوجود، ثم تفترقان في طريقة التعبير عنه.
لهذا، لا يكفي أن نغيّر شكل القصيدة حتى نضمن تجدّدها، كما لا يكفي أن نستعيد شكلًا موروثًا حتى نحكم عليها بالتكرار. ما يستحق التأمل هو ما يحدث داخل اللغة: كيف تتجاور الكلمات؟ وما العلاقات التي تنشأ بين الصور؟ وهل تقودنا القصيدة إلى رؤية مختلفة، أم تعيد إلينا ما نعرفه بعبارات أخرى؟
يمنحنا رولان بارت مدخلًا لفهم هذا التشابك. ففي مقالته «موت المؤلف»، ينظر إلى النص بوصفه فضاء تتقاطع فيه كتابات متعددة، لا صوتًا منفردًا يمكن ردّ معناه كله إلى صاحبه. والنص، بهذا المعنى، يتشكل من أصداء ثقافية ولغوية لا تعني بالضرورة اقتباسات مباشرة أو إحالات مقصودة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القصيدة باعتبارها لقاءً بين ما ورثه الشاعر وما اختبره بنفسه. قد تعبرها كلمة من حكاية قديمة، أو نبرة من أغنية، أو صورة استقرت في الذاكرة، لكنها لا تبقى بالضرورة على حالها. فما يمنحها خصوصيتها هو موقعها الجديد، والعلاقات التي تنشئها مع ما يحيط بها. تصبح الكلمة المألوفة مختلفة حين تدخل تجربة لم تدخلها من قبل.
ولا يعني ذلك أن الشاعر مجرد ناقل لأصوات الآخرين. على العكس، يمكن أن تظهر فرادته في طريقة الإصغاء إليها، والاختيار بينها، وتحويلها. فالاختلاف لا يشترط غياب الماضي؛ قد ينشأ من الاحتكاك به. وكما لا تتشابه وجوه الناس رغم اشتراكها في ملامح كثيرة، لا تتشابه القصائد لمجرد أنها تستعمل اللغة نفسها أو تنهل من ذاكرة مشتركة.
وإذا كان بارت يساعدنا على الإصغاء إلى تعدّد الأصوات داخل النص، فإن ميشيل فوكو يوجّه انتباهنا إلى الاسم الذي يتصدره. ففي «ما المؤلف؟»، يناقش مفهوم «وظيفة المؤلف»، أي الطريقة التي يسهم بها اسم الكاتب في جمع النصوص وتصنيفها وتحديد أساليب تداولها وقراءتها داخل الثقافة.
وهذا يفتح أمام قراءة الشعر سؤالًا مهمًا: هل نقرأ القصيدة كما تتشكل أمامنا، أم كما نتوقعها من صاحبها؟ فقد ندخل إلى نص شاعر مشهور ونحن نحمل حكمًا سابقًا بقيمته، أو نقرأ شاعرًا صُنّف ضمن اتجاه معين فلا ننتبه إلى ما خرج فيه عن ذلك التصنيف. هنا قد يصبح الاسم نافذة نطل منها على القصيدة، وقد يتحول إلى إطار لا يسمح لنا برؤية ما يقع خارجه.
ولا يتعلق الأمر بمحو الشاعر أو تجاهل تجربته، بل بمنح القصيدة حقها في أن تقول أكثر مما تختصره سيرته. فمعرفة ظروف الكتابة قد تضيء النص، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مفتاح وحيد يغلق سائر الأبواب. وقد يكون الصوت الذي يقول «أنا» في القصيدة قريبًا من صاحبه، لكنه ليس مضطرًا إلى أن يطابقه في كل تفصيل؛ إذ تستطيع الكتابة أن تتخيل، وأن تتقمص، وأن تختبر احتمالات أخرى للحياة.
هكذا لا تعود حركية الشعر مسألة تخص الكتابة وحدها، بل تخص القراءة أيضًا. فالقصيدة تتحرك حين تعيد تشكيل ما ورثته، وحين تجد قارئًا يصغي إلى ما يتجاوز المألوف فيها. وقد يكتشف قارئ لاحق في نص قديم ما لم يكن موضع انتباه من قبل، لا لأن الكلمات تبدلت، بل لأن الأسئلة التي نحملها إليها تغيرت.
ومن هنا، يبدو تقسيم الشعر إلى قديم يُطوى وجديد يحل مكانه أقل قدرة على استيعاب هذا التعقيد. الأجدى أن ننظر إلى العلاقة بينهما باعتبارها حوارًا قد يقوم على القرب، وقد يتخذ شكل اعتراض أو توتر. فالقطيعة نفسها لا تصبح مفهومة إلا حين نعرف ما الذي تقطع معه، والتجديد لا تظهر ملامحه إلا في علاقته بما يحوّله أو يتجاوزه.
لا تحتاج القصيدة، إذن، إلى أن تتبرأ من ذاكرتها كي تكون جديدة، ولا إلى أن تبقى أسيرة لها كي تحافظ على صلتها بالماضي. تحتاج إلى أن تجعل تلك الذاكرة قابلة للسؤال والتحويل. فالشاعر لا يختار اللغة من خارج التاريخ، لكنه يستطيع أن يمنحها وجهة لم تكن ظاهرة من قبل.
وربما تكمن مغامرة الشعر هنا: في أن يأخذ كلمات نعرفها، ثم يعيدها إلينا وقد صارت قادرة على إرباك معرفتنا. عندئذ لا يكون التجديد مجرد إعلان يسبق القصيدة، بل أثرًا تتركه فينا؛ نخرج منها وقد رأينا في العالم، أو في أنفسنا، شيئًا لم نكن نراه.







