حين تصبح الشائعة أخطر من الخبر.. من يحمي وعي المصريين؟ 》
بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية
لم تعد الشائعة مجرد حكاية يتناقلها الناس ثم تختفي؛ ففي زمن الهاتف الذكي، يمكن لجملة مجهولة المصدر أن تتحول خلال دقائق إلى «حقيقة» في نظر الآلاف، ويمكن لصورة قديمة أن تعود إلى الواجهة باعتبارها حدثًا جديدًا، ويمكن لمقطع مجتزأ من سياقه أن يصنع رواية كاملة لا علاقة لها بالحقيقة. وهنا لم تعد المشكلة في الخبر الكاذب وحده، وإنما في سرعة تصديقه وانتشاره.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا تبدو موجة الأخبار المضللة أكثر كثافة الآن؟
الإجابة ليست سببًا واحدًا؛ فالأزمات والاضطرابات الإقليمية تخلق بيئة خصبة للقلق، والقلق يجعل الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق المعلومة التي توافق مخاوفه. وفي الوقت نفسه، تعمل منصات التواصل بمنطق مختلف؛ فالمحتوى المثير والغاضب والصادم غالبًا ما يجذب انتباهًا أكبر، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت للتحقق والفهم.
وقد رصد المركز الإعلامي لمجلس الوزراء أن التوترات الإقليمية خلال النصف الأول من 2026 صاحبتها زيادة كبيرة في معدلات الشائعات، مؤكدًا أهمية الرصد المبكر وإتاحة المعلومات الصحيحة في التوقيت المناسب.
لكن هناك وجهًا آخر أكثر خطورة: بعض المعلومات المضللة لا يكون هدفها أن تقنعك بحقيقة معينة، وإنما أن تجعلك تفقد الثقة في كل الحقائق، وهذه نقطة تستحق الانتباه. فحين يعتاد المواطن أن يرى عشرات الروايات المتناقضة، قد يصل في النهاية إلى مرحلة يقول فيها: «لا أحد يقول الحقيقة». وهنا تكون الشائعة قد حققت أخطر نتائجها؛ ليس فقط نشر معلومة خاطئة، وإنما إضعاف الثقة وإرباك قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والادعاء.
ولماذا تستهدف الشائعات الاقتصاد؟
لأن الاقتصاد شديد الحساسية للثقة؛ فخبر غير صحيح عن سلعة، أو الدولار، أو البنوك، أو الوقود، أو الاستثمار، أو مؤسسات الدولة، يمكن أن يصنع حالة من القلق تدفع بعض المواطنين إلى قرارات اقتصادية غير رشيدة. ولهذا جاء الاقتصاد والطاقة والتموين في مقدمة القطاعات التي رصدها تقرير مجلس الوزراء باعتبارها الأكثر استهدافًا بالشائعات خلال النصف الأول من العام.
وهنا نفهم أن مواجهة الشائعة ليست معركة إعلامية فقط، بل إنها جزء من حماية الاقتصاد ومسيرة التنمية.
لكن هل الحل أن ننتظر النفي بعد انتشار الشائعة؟ ليس كافيًا؛ فالمواجهة الأكثر فاعلية تبدأ قبل أن تصبح الشائعة واسعة الانتشار.
وهذا يتطلب الانتقال من سياسة «النفي بعد التداول» إلى منظومة تقوم على:
الرصد المبكر ← التحقق السريع ← المعلومة الرسمية الواضحة ← التواصل المستمر ← بناء وعي المواطن.
وهذا الاتجاه حاضر بالفعل في الجهود الرسمية؛ فالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء أعلن استمرار استخدام أدوات لرصد وتحليل أنماط الشائعات وقياس اتجاهاتها، مع التنسيق مع الجهات المعنية لإصدار الردود الرسمية وإتاحة المعلومات الموثوقة.
كما أن الحكومة ناقشت في يوليو 2026 وضع أطر تنفيذية لمواجهة المخاطر السلبية لمواقع التواصل، في ضوء انتشار الوقائع المختلقة والأكاذيب والشائعات وتأثيرها على المجتمع والاقتصاد (مصراوي.كوم). وفي المقابل، فإن وزارة الدولة للإعلام دعت المواطنين وصناع المحتوى والمؤثرين إلى الاستخدام المسؤول لمنصات التواصل، والتحقق قبل النشر، واحترام أدب الاختلاف، وعدم تداول المحتوى الضار.
لكن الدولة وحدها لن تستطيع إغلاق باب الشائعة
وهنا الجزء الذي يجب أن نتوقف أمامه كمواطنين؛ قد تنجح الدولة في كشف مائة شائعة، لكن إذا كان المواطن مستعدًا لإعادة نشر المائة وواحد دون تحقق، فالمشكلة ستظل قائمة.
المواطن ليس مجرد متلقٍ للمعلومة بعد الآن، لقد أصبح جزءًا من عملية صناعة وانتشار المعلومة. ولهذا أصبحت هناك مهارة جديدة لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة: أن تعرف كيف تتحقق قبل أن تصدق.
* من أين جاء الخبر؟
* هل له مصدر واضح؟
* هل نشرته جهة رسمية معنية؟
* هل الصورة تخص الحدث فعلًا أم أعيد استخدامها من حدث قديم؟
* هل العنوان يقول أكثر مما يقوله المحتوى؟
* وهل أنا أنشر لأنني تأكدت، أم لأن الخبر أغضبني أو أخافني أو وافق ما كنت أريد تصديقه؟
السؤال الأخير تحديدًا قد يحميك من نصف الشائعات.
التنمية تحتاج إلى مجتمع لا تهزه كل رسالة مجهولة
الدولة التي تبني طرقًا ومصانع وموانئ ومدنًا وتوسع الإنتاج وتعمل على جذب الاستثمار، تحتاج بالتوازي إلى مواطن يستطيع حماية هذه المنجزات من التضليل. فالتنمية تحتاج إلى ثقة رشيدة؛ ليست ثقة عمياء ترفض النقد، وليست شكًا دائمًا يرفض كل إنجاز.
المواطن الواعي يستطيع أن ينتقد، يستطيع أن يسأل، يستطيع أن يختلف، لكن الفارق أنه لا يحول رأيه إلى خبر، ولا يحول شكه إلى اتهام، ولا يحول غضبه إلى شائعة. وهنا تصبح حرية التعبير أكثر قوة عندما تصاحبها مسؤولية.
رسالة نوعية
ربما لن نستطيع منع كل شائعة من الظهور، لكن نستطيع أن نجعل المجتمع أصعب على الشائعة أن تخدعه. وهذا هو الهدف الحقيقي:
¤ أن يصبح المواطن هو خط الدفاع الأول عن الحقيقة.
¤ أن تتسابق المؤسسات مع الشائعة بالمعلومة، لا أن تنتظرها حتى تنتشر.
¤ أن تصبح البيانات الرسمية أكثر سرعة ووضوحًا وتبسيطًا.
¤ وأن يتعلم أبناؤنا منذ الصغر أن «المشاركة» ليست زرًا بلا مسؤولية.
فالشائعة لا تعيش بقوة صانعها فقط، بل بقوة من يصدقها وينشرها.
كلمة إلى المواطن
لا تطلب من الدولة أن تحارب الشائعة وحدها، ثم تمنحها أنت هاتفك لتنتشر. إذا وصلك خبر يمس بلدك أو اقتصادك أو أمن مجتمعك، توقف لحظة قبل أن تضغط «مشاركة».
قد تكون أنت أول شخص يكشف الحقيقة، وقد تكون – دون أن تدري – آخر حلقة في سلسلة تضليل طويلة.
لا تكن صدى لما لا تعرف، كن صوتًا لما تعرف. فمصر لا تحتاج مواطنًا يصدق كل ما يسمع، ولا مواطنًا يكذب كل ما يسمع، تحتاج مواطنًا يسأل، ويتحقق، ويفكر، ثم يتحدث.
وهكذا تكون شريكًا حقيقيًا في التنمية؛ لأن حماية وعي الوطن جزء من حماية مستقبله.
أنا شريك في التنمية.. ولذلك لن أكون شريكًا في الشائعة.







