عظمة عبد الرحمن بن عوف
مستشار / حماده خشبة
في زمن أصبح فيه الإنسان أحيانًا يُقاس بما يملك، وأصبحت قيمة الرجل عند البعض في سيارته وبيته وملابسه ورصيده، وأصبح الناس ينظرون إلى حياة بعضهم البعض من خلف شاشات الهواتف، ويتسابقون في إظهار ما عندهم، نحتاج أن نتوقف قليلًا ونعود إلى رجل عاش في الدنيا، وامتلك منها الكثير، لكنه لم يسمح لها يومًا أن تمتلك قلبه. إنه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
كانت حكايته مختلفة منذ البداية، فلم يولد وفي يده تجارة أو أموال طائلة، وعندما هاجر إلى المدينة ترك وراءه ما يملك، وبدأ حياة جديدة لا يملك فيها من متاع الدنيا إلا القليل. وكان يمكن أن يجلس حزينًا على ما فقد، أو ينتظر أن تأتيه المساعدة، لكنه اختار طريقًا آخر، وقال كلمته التي أصبحت عنوانًا لرجل يعرف قيمة العمل: «دلوني على السوق». ذهب إلى السوق، وبدأ من جديد، واجتهد في تجارته حتى فتح الله عليه، وأصبح من أغنياء الصحابة.
لكن عظمة عبد الرحمن بن عوف لم تكن في أنه أصبح غنيًا، وإنما في أنه أصبح غنيًا ولم يصبح المال سيدًا عليه. كانت الأموال تدخل يده، لكنها لم تستقر في قلبه، وكلما زاد رزقه زاد عطاؤه، وكلما اتسعت تجارته اتسع معها باب الخير.
وهنا تبدأ المقارنة التي تجعلنا نعيد النظر في حياتنا اليوم، فنحن نعيش في زمن أصبح فيه امتلاك الأشياء هدفًا عند كثير من الناس، لا يكفي أن يكون لديك بيت، بل يجب أن يكون أكبر من بيت غيرك، ولا تكفي سيارة جيدة، بل يجب أن تكون أحدث من سيارة غيرك، ولا يكفي أن تسافر، بل يجب أن يرى الناس أنك سافرت، حتى أصبحت بعض حياتنا تُبنى من أجل أعين الآخرين، وأصبح الإنسان أحيانًا يشتري أشياء لا يحتاجها، فقط حتى لا يشعر أنه أقل من غيره.
والغريب أننا كلما امتلكنا أكثر، أردنا أكثر، وكلما وصلنا إلى شيء نظرنا إلى ما عند غيرنا، وكأننا دخلنا في سباق لا خط نهاية له.
أما عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فكان يملك المال ولكنه لم يسمح للمال أن يحدد قيمته، ولم يكن يرى أن كثرة ما يملك هي التي تجعله أفضل من غيره، وإنما كان يرى أن ما في يده رزق من الله، وأن لهذا الرزق حقًا على صاحبه.
وهنا يظهر الفرق بين من يملك المال ومن يملكه المال؛ الأول يستخدم ماله في حياته، أما الثاني فتتحول حياته كلها إلى محاولة لجمع المزيد.
ليس العيب أن تكون غنيًا، وليس العيب أن تبحث عن حياة أفضل لك ولأولادك، وليس العيب أن تنجح في تجارتك أو عملك، ولكن الخطر أن يتحول المال من وسيلة إلى غاية، وأن يصبح الإنسان مستعدًا لخسارة مبادئه وأهله وراحته من أجل شيء سيتركه يومًا ما.
عبد الرحمن بن عوف يعلمنا أن الإنسان يستطيع أن يعمل ويجمع وينجح، وفي الوقت نفسه يكون كريمًا، رحيمًا، قريبًا من الناس، يشعر بالمحتاج ولا ينسى أن وراء الرزق مسؤولية.
واليوم، ربما نحن في أمس الحاجة إلى هذا المعنى، لأن الدنيا أصبحت أسرع من أي وقت مضى، والاحتياجات لا تنتهي، والمقارنات لا تتوقف، وما إن يشتري الإنسان شيئًا حتى يظهر له شيء آخر، وما إن يصل إلى مستوى من المعيشة حتى يرى من يعيش فوقه، فيشعر أنه لم يصل إلى شيء.
لكن الحقيقة أن السعادة لم تكن يومًا في كثرة ما نملك، وإنما في قدرتنا على أن نعيش بما نملك دون أن نفقد أنفسنا.
قد يكون الإنسان فقيرًا ولكنه غني القلب، وقد يكون غنيًا ولكنه لا يعرف طعم الراحة، وقد يملك الإنسان بيتًا صغيرًا مليئًا بالمحبة، بينما يملك آخر قصرًا واسعًا ولا يجد فيه قلبًا صادقًا يجلس بجواره.
ولهذا فإن سيرة عبد الرحمن بن عوف ليست حكاية عن رجل كان غنيًا فقط، وإنما حكاية عن رجل عرف كيف يتعامل مع الغنى.
عرف أن المال في اليد وليس في القلب، وأن التجارة يمكن أن تكون بابًا للرزق وبابًا للخير في الوقت نفسه، وأن الإنسان لا يُقاس بما جمعه لنفسه فقط، وإنما بما تركه من أثر طيب في حياة الآخرين.
وفي النهاية، سيأتي يوم نترك فيه كل شيء، ستبقى السيارة في مكانها، والبيت لغيرنا، والمال في الحسابات، والمتاجر سيأتي من يديرها بعدنا، وسنذهب نحن وحدنا بما قدمناه.
وعندها لن يكون السؤال: كم كان لديك؟ ولا كم كان رصيدك؟ ولا كم كان ثمن بيتك وسيارتك؟
سيكون السؤال عن شيء آخر تمامًا: ماذا فعلت بما أعطاك الله؟
وهنا تظل سيرة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حاضرة في كل زمان، وكأنها تقول لنا بهدوء: لا تكرهوا الدنيا، ولا تجعلوها معبودكم، اعملوا واجتهدوا واطلبوا الرزق، ولكن لا تسمحوا للدنيا أن تأخذ من قلوبكم أكثر مما تأخذ من أيديكم.
فالدنيا مهما أعطتنا ستأخذنا في النهاية، والمال مهما كثر لن يصحبنا إلى القبر، أما المعروف الذي صنعناه، والصدقة التي قدمناها، والإنسان الذي فرّجنا عنه كربته، والكلمة الطيبة التي تركنا بها أثرًا في قلب أحد، فربما تكون هي الشيء الذي يبقى لنا عندما يذهب كل شيء.
كان عبد الرحمن بن عوف يملك الدنيا، لكن الدنيا لم تملك قلبه… وربما تكون هذه هي الحكاية التي نحتاج أن نتذكرها نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى.








