أدب وثقافةسياحة و أثارمقالات

غادة عثمان.. الوجه الآخر للحداثة

الوجه الآخر للحداثة.

 

ما الذي خسرناه حين تغيّرت بيوتنا؟

«فأَجِلْ فيه لَحْظَ عينيكَ تُبصرْ أيَّ حُسنٍ دونَ القصورِ حواهُ»

قالها أبو الصلت أميّة الأندلسي في وصف قصر بمصر عُرف بـ «منزل العز»… وأتوقف طويلًا أمام دعوته إلى إطالة النظر، ففيها ما يكشف عن علاقة مختلفة بين الإنسان والمكان؛حين كان البيت يستحق أن تتأمله العين، وأن تتبع تفاصيله من زخرفة السقف إلى الضوء المتسلل عبر النوافذ.

وأفكر في الذين عاشوا داخل تلك البيوت. كيف مضت أيامهم بين غرفها، وكيف كبر أطفالهم تحت أسقفها المزخرفة، وكم مرة عبروا أفنيتها منشغلين بأمورهم الصغيرة،دون أن يدركوا أنما اعتادته أعينهم سيصبح بعد قرون أثرًا يقصده الناس ليتأملوا جماله.

كان الجمال جزءًا من حياتهم.

في بيت الست وسيلة بالقاهرة، الذي شُيّد سنة 1664، ما زالت الأسقف الخشبية تحتفظ بزخارفها النباتية والهندسية الملونة، تتخللها لمسات ذهبية، بينما تحمل جدران إحدى قاعاته رسومًا للأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

وأمام هذه التفاصيل أتخيل حرفيًّا مجهولًا أمضى أيامًا يلوّن الخشب ويرسم على الجدران، يرفع رأسه ليتفقد ما أنجزه ثم يعود إلى عمله. مضى الرجل وبقي أثر يده شاهدًا على زمن كان الناس فيه يمنحون الجمال شيئًا من أعمارهم.

وفي بيت السحيمي نجد أن هذا الاهتمام امتد إلى طبيعة المكان نفسه؛ أفنية تستقبل الضوء والهواء ومشربيات تحفظ الخصوصية، وأسقف مرتفعة تساعد مع عناصر التهوية الأخرى على تلطيف الأجواء. حتى النوافذ ذات الزجاج الملون التي عرفتها بيوت القاهرة القديمة كانت تحول ضوء الشمس إلى ألوان تتبدل على مدار النهار.

تأملوا مقدار العناية التي بُذلت في تفاصيل تبدو بسيطة، وكيف اجتمع فيها فهم المناخ مع الذوق الفني حتى أصبح البيت قادرًا على الاستجابة لحاجات ساكنيه.

وأتساءل: متى تغيّرت البيوت؟

وليس في ذلك اتهام.

لقد جاءت الحداثة بحلول احتجنا إليها؛مدن تمتد وتتسع، ومبانٍ ترتفع لاستيعاب عدد أكبر من السكان، وتقنيات اختصرت الزمن والجهد، ووسائل للراحة لم يعرفها من سبقونا. غير أن هذه التحولات حملت معها نظرة مختلفة إلى العمارة، أصبح فيها الاقتصاد في المساحة والوقت والتكلفة حاضرًا في كل قرار

تراجعت الأفنية، وانخفضت كثير من الأسقف، وحلّ الإنتاج المتكرر محلّ جانب من العمل الحرفي، وأصبحت الزخرفة تفصيلًا يسهل الاستغناء عنه. ثم امتد التشابه إلى الألوان والأثاث والواجهات، حتى بدت بعض البيوت نسخًا من بيت واحد، مهما تباعدت أماكنها.

ويبقى تساؤلي: هل تطوّرت قدرتنا على تشييد البيوت، بينما تراجع اهتمامنا بما تتركه من أثر في نفوس ساكنيها؟

فالمكان يؤثر فينا أكثر مما نظن. حتى ارتفاع السقف الذي قد يبدو مسألة هندسية بحتة، تناولته دراسات نفسية وجدت ارتباطًا بين الفراغات المرتفعة وإحساس الحرية والتفكير الأكثر تجريدًا. بينما ارتبطت الأسقف المنخفضة بإحساس الاحتواء والتركيز على التفاصيل. وهي نتائج لا تجعل أحد التصميمين أفضل دائمًا لكنها تذكرنا بأن للمكان أثرًا يتجاوز أبعادها لمادية.

وكم مرة دخلنا غرفة فشعرنا بالراحة دون أن نعرف السبب، أو وجدنا أنفسنا نرفع رؤوسنا في قاعة قديمة، نتأمل سقفها ونستشعر اتساعها؟

وكان للألوان حضورها الخاص في البيوت القديمة؛تتداخل مع زخارف الخشب والجص، وتعبر مع الضوء من النوافذ ذات الزجاج الملون، فتمنح المكان دفئًا وحيوية تتغير مع ساعات النهار. أما اليوم فقد طغت على كثير من البيوت درجات الأبيض والرمادي والبيج، حتى أصبح التشابه سمة بارزة في تصميمها. ومع هذا الميل إلى البساطة تراجعت مساحة التنوع، وغابت تفاصيل كانت تمنح كل بيت طابعه الخاص وتعكس شيئًا من ذوق أصحابه وهويتهم.

لا أريد العودة إلى القرن السابع عشر. ولا أعتقد أن استعادة الجمال تقتضي تقليد العمارة القديمة. فالحداثة منحتنا الكثير. وما أتمناه أن نستعيد معها ذلك الاهتمام الإنساني بالتفاصيل التي تجعل المكان أقرب إلى نفوسنا.

فالبيت الذي نقضي فيه سنوات عمرنا يترك أثره فينا من حيث لا نشعر. قد ننسى مساحته وعدد غرفه لكننا نحتفظ طويلًا بضوء كان يسقط على أرضه في الصباح، أو نافذة اعتدنا الوقوف أمامها، أو ركن صغير ارتبط بأيام لنتعود.

ولعل هذا ما يجعلني أعود إلى كلمات أبي الصلت:  «فأَجِلْ فيه لحظ عينيك.»

لقد أصبحنا أكثر قدرة على البناء، وأسرع في إنجازه، وأمهر في استغلال مساحاته. لكن هل منحنا الإنسان وسط كل هذا التقدم ما يكفي من الجمال ليشعر أن المكان الذي يسكن فيه يشبهه؟

غادة عثمان

زر الذهاب إلى الأعلى