مقالاتمنوعات

في اليوم العالمي للصداقة… حين تصبح الإنسانية وطناً يتّسع للجميع

 

في اليوم العالمي للصداقة…

حين تصبح الإنسانية وطناً يتّسع للجميع

 

بقلم: المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش

محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان

فلسطين – غزة

في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الصراعات، وتعلو فيه أصوات الكراهية والانقسام، يطلّ اليوم العالمي للصداقة بوصفه أكثر من مناسبة رمزية؛ إنه دعوة إنسانية صادقة لإعادة اكتشاف القيم التي صنعت الحضارات قبل أن تصنعها القوة، ورسالة تؤكد أن العلاقات الإنسانية القائمة على الاحترام والثقة والتضامن ما تزال قادرة على ترميم ما تهدّمه السياسة، وما تعجز عنه المصالح الضيقة.

فالصداقة ليست علاقة اجتماعية عابرة، وليست مجاملة موسمية تُستحضر في يومٍ محدد ثم تُنسى في بقية الأيام، بل هي موقف أخلاقي، وسلوك حضاري، وجسر يعبر فوق الاختلافات الدينية والثقافية والعرقية واللغوية. إنها لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، لأن القلب يفهمها قبل أن تنطق بها الكلمات.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تتقارب بالقوة، وإنما بالإنسانية. وما عجزت عنه المؤتمرات والاتفاقيات، نجحت فيه روابط الصداقة الصادقة التي جمعت بين البشر على أساس الاحترام المتبادل والكرامة الإنسانية. فحين يمدّ إنسان يده إلى إنسان آخر دون حسابات المصالح، يكون قد أسهم في بناء سلام حقيقي يبدأ من الفرد قبل أن يصل إلى الدول.

وفي فلسطين، حيث يعيش الإنسان تحت وطأة الاحتلال والحصار والحروب، تكتسب الصداقة معنى مختلفاً وأكثر عمقاً. فهي ليست مجرد لقاء بين الأصدقاء، بل صورة من صور الصمود، ورسالة أمل في وجه الألم، وإيمان بأن الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار رغم كل ما يحيط بها من مآسٍ. لقد تعلّم الفلسطيني أن الصديق الحقيقي هو من يقف إلى جانب الحق، لا من يكتفي بالتعاطف اللفظي، وأن المواقف النبيلة هي الامتحان الحقيقي لمعنى الصداقة بين الشعوب.

ولعلّ من أبلغ صور الصداقة الإنسانية تلك التي تظهر في أوقات المحن، حين تتجاوز مشاعر التضامن حدود الجغرافيا واللغة والثقافة، فيقف الإنسان إلى جانب أخيه الإنسان دفاعاً عن الكرامة والحق والحياة. ففي لحظات الأزمات الكبرى، لا تكون الصداقة مجرد كلمات أو شعارات، بل تتحول إلى أفعال ومواقف تثبت أن الضمير الإنساني ما زال حياً، وأن جسور الرحمة قادرة على مقاومة جدران العزلة والانقسام.

وفي غزة، كما في كل مكان يواجه الألم، تبقى المواقف الإنسانية الصادقة رسالة تؤكد أن الشعوب قادرة على صناعة الأمل رغم قسوة الظروف، وأن التضامن الحقيقي لا يُقاس بحجم الكلمات، بل بصدق المواقف ونبل الأفعال.

إن العالم اليوم بحاجة إلى ثقافة الصداقة أكثر من أي وقت مضى. فمع اتساع خطاب الكراهية، وتصاعد النزاعات المسلحة، وتزايد مظاهر العنصرية والتمييز، يصبح نشر ثقافة التسامح والحوار والتعاون مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأفراد والمؤسسات والدول. فالصداقة ليست قيمة شخصية فحسب، بل ركيزة من ركائز الأمن المجتمعي والاستقرار الدولي.

ولا يمكن الحديث عن الصداقة دون الحديث عن العدالة؛ فالعلاقات الإنسانية السليمة لا تنمو في بيئة الظلم، ولا تزدهر في ظل ازدواجية المعايير. إن الصديق الحقيقي هو من ينحاز إلى الكرامة الإنسانية أينما كانت، ويرفض الظلم أياً كان مرتكبه، ويؤمن بأن الإنسان يستحق الحياة والحرية والعدالة دون تمييز.

وفي زمن الثورة الرقمية، أصبحت الصداقة تواجه اختباراً جديداً. فوسائل التواصل الاجتماعي قرّبت المسافات، لكنها لم تُلغِ الحاجة إلى الصدق والوفاء والإخلاص. فعدد المتابعين لا يصنع صديقاً، وكثرة الرسائل لا تعني عمق العلاقة، بينما كلمة صادقة في وقت الشدة قد تعادل آلاف الكلمات في أوقات الرخاء.

إن الاحتفاء باليوم العالمي للصداقة ينبغي ألا يقتصر على تبادل العبارات الجميلة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع إنساني يعزز ثقافة الحوار، ويرسخ قيم الاحترام المتبادل، ويواجه خطاب الكراهية، ويغرس في الأجيال الجديدة أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع.

فالعالم الذي تسوده الصداقة هو عالم أكثر قدرة على بناء السلام، لأن السلام الحقيقي لا يبدأ فقط من موائد المفاوضات، بل يبدأ من قلوب البشر، ومن قدرتهم على رؤية الآخر باعتباره شريكاً في الإنسانية قبل أن يكون مختلفاً في الهوية أو الثقافة أو الرأي.

وفي نهاية المطاف، تبقى الصداقة واحدة من أنبل الهدايا التي يمكن أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. فهي لا تحتاج إلى ثروة، ولا إلى سلطة، ولا إلى نفوذ، وإنما تحتاج إلى قلب صادق، وضمير حي، وإيمان بأن الإنسانية أكبر من الحدود، وأسمى من المصالح، وأبقى من الخلافات.

وفي هذا اليوم العالمي للصداقة، لنجعل من هذه المناسبة نقطة انطلاق نحو عالم أكثر رحمة وعدلاً وتضامناً؛ عالم تُقاس فيه قوة الأمم بقدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته، وبناء جسور المحبة والثقة بدلاً من جدران العداء والانقسام.

فحين تصبح الصداقة ثقافة عالمية، تتحول الإنسانية إلى وطنٍ يتّسع للجميع، ويغدو السلام ثمرة طبيعية لاحترام الإنسان لأخيه الإنسان.

فالإنسانية في نهاية المطاف لا يحفظها سوى أصدقاء يؤمنون بأن الإنسان هو القيمة الأعلى على هذه الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى