أدب وثقافة

قراءة نقدية في رواية “هوس جيسي” للكاتبة “مها شتا”.

قراءة نقدية في رواية “هوس جيسي”

للكاتبة “مها شتا”

 

بقلم: مصطفى العقاد

نبذة عن الرواية

تنتمي رواية “هوس جيسي “إلى الرواية الاجتماعية النفسية ذات الطابع العاطفي، حيث تتشابك مصائر عدد من الشخصيات عبر سنوات طويلة من الفقد والحرمان والحنين وصور من الاختيارات الخاطئة, وتتحرك الأحداث بين شخصيات رئيسية عدة، أبرزها “إحسان” و”منعم” و”حكيم” و”ياسمين” و”ليلى” و”جيسي”، لتصنع شبكة من العلاقات الإنسانية المعقدة التي تحكمها الأقدار أكثر مما تحكمها الرغبات الشخصية.

تستند الرواية إلى فكرة مركزية تتمثل في أثر القرار الواحد على مصائر أجيال كاملة، حيث يتحول انفصال” إحسان” عن” منعم” إلى نقطة ارتكاز درامية تمتد آثارها لعقود، وتعيد تشكيل العلاقات بين الأبناء والآباء والأمهات، بينما يتداخل الحب بالفقد والندم والاشتياق في بناء إنساني طويل النفس.

القراءة النقدية 

يحمل عنوان الرواية “هوس جيسي” أهمية خاصة من الناحية النقدية. فكلمة “هوس” تنتمي إلى الحقل النفسي أكثر من انتمائها إلى الحقل السردي، وهي توحي منذ البداية بوجود حالة تتجاوز الإعجاب العادي أو الحب التقليدي. بينما العنوان يفتح باب التأويل إذ يدفع بالقارئ إلى البحث عن طبيعة هذا الهوس ومصدره وتجلياته المختلفة.

كما أن اختيار اسم “جيسي” بوصفه مركز العنوان يمنح الشخصية ثقلًا رمزيًا حتى قبل دخولها الفعلي إلى قلب الأحداث، وهو ما يخلق حالة من الترقب والاستباق لدى القارئ.

الرواية تنتمي إلى الأدب الاجتماعي النفسي الذي يعتمد على تحليل المشاعر الداخلية للشخصيات أكثر من اعتماده على الحدث الخارجي الصاخب, ومنذ الصفحات الأولى يتضح أن الرواية تراهن على الإنسان باعتباره محور السرد الأساسي، إذ تتحول الذاكرة إلى قوة محركة للأحداث، ويتحول الماضي إلى شخصية خفية تدير الحاضر وتعيد تشكيله…

أول ما يلفت الانتباه في الرواية هو اعتماد الكاتبة على تقنية تعدد الأصوات السردية. فكل شخصية تتولى تقديم جزء من الحكاية عبر منظورها الخاص، وهو ما يمنح النص ثراًء نفسيًا واضحًا, والقارئ لا يرى الأحداث من زاوية واحدة، وإنما يتلقى الرواية من خلال عدة مرايا متجاورة، الأمر الذي يوسع دائرة الفهم ويمنح الشخصيات عمقًا إنسانيًا.

ويتجلى نجاح هذه التقنية في قدرة الكاتبة على منح كل شخصية لغتها النفسية الخاصة. “إحسان” تتحدث من موقع المرأة التي أرهقها الندم، و”منعم” يتحدث من موقع الرجل الذي هزمته الذكريات، بينما يبدو” حكيم” أكثر الشخصيات تعبيرًا عن الصراع بين براءة العمر ونضج الشعور.

ومن النماذج السردية التي تكشف حساسية الكاتبة في بناء المشهد الإنساني ذلك الحوار الذي يجمع بين  حكيم” و” ليلى” بعد وفاة الأم:

ـ توفيت أمي اليوم.. فتجيبه: وأنا توفي أبي

هذا المشهد القصير يمثل نموذجًا مكثفًا للسرد العاطفي الهادئ.  لا يعتمد على الخطابة أو المبالغة الانفعالية، وإنما يترك الحزن يتشكل عبر التوازي بين الخسارة والفقد. وهو ما يمنح اللحظة صدقًا شعوريًا واضحًا…

ومن أبرز نقاط القوة في الرواية, قدرتها على بناء الشخصيات بصورة تدريجية. فإحسان ليست مجرد امرأة نادمة، وإنما شخصية تتحرك بين الرغبة في التعويض والخوف من مواجهة الماضي. ويتجلى ذلك في اعترافها الداخلي المتكرر بأنها كانت ترى في “حكيم” الابن الذي لم تنجبه، وهي منطقة نفسية شديدة التعقيد نجحت الكاتبة في تقديمها دون مباشرة فجة.

أما شخصية “منعم” رجل من الزمن الجميل. فتعد من أكثر الشخصيات اتزانًا داخل العمل. فهو لا يقدم بوصفه بطلًا مثاليًا، وإنما إنسانًا يحمل جراحه الخاصة ويخضع لمنطق الكرامة والذاكرة معًا. وتبرز قوة الشخصية في موقفه الرافض للعودة إلى “إحسان” رغم استمرار المشاعر القديمة، إذ يتحول القرار إلى موقف وجودي أكثر منه موقفًا عاطفيًا.

وفي المقابل يظهر “حكيم” بوصفه الشخصية الأكثر تطورًا دراميًا في الجزء المتاح من الرواية. فالقارئ يراه طفلًا فقد أمه، ثم مراهقًا يكتشف مشاعره الأولى، ثم شابًا يتصارع داخله الحب والحرمان والانتماء. وقد نجحت الكاتبة في رسم هذا التطور دون قفزات حادة، فجاء نمو الشخصية منطقيًا ومتدرجًا.

أما شخصية” ليلى” فتشكل أحد أكثر العناصر إثارة للاهتمام داخل العمل, فهي تمثل الوجه النقيض لإحسان, وإذا كانت “إحسان” تجسد نموذج التضحية والخسارة، فإن “ليلى” تجسد نموذج الطموح الفردي والسعي خلف الحلم, ومن خلال هذا التضاد تنجح الرواية في تقديم رؤيتين مختلفتين للحياة دون إصدار أحكام مباشرة.

عن مستوى اللغة السردية، تمتلك الكاتبة قدرة واضحة على إنتاج صور وجدانية رقيقة تعتمد على الإيحاء أكثر من الوصف المباشر, كما أنها لا تنشغل الكاتبة بالزخرفة البلاغية المفرطة، وإنما تراهن على الوضوح والتدفق العاطفي. ويتضح ذلك في عبارات مثل “فتحت جفنيها ومعه باب مدينتها”.

وهي صورة مجازية جميلة تكشف محاولة السارد النفاذ إلى العالم الداخلي للشخصية من خلال العينين، بما يحمله التعبير من حس شعري دون أن يبتعد عن السياق السردي.

أما الحبكة فتقوم على مفهوم الأثر المتراكم للقرارات الإنسانية. فالرواية لا تبني أحداثها على المفاجآت الصادمة بقدر اعتمادها على النتائج المتتابعة لاختيارات الشخصيات. قرار “إحسان” بعدم قبول شروط الزواج الأولى يصبح بذرة تتفرع منها معظم الصراعات اللاحقة, وهذه ميزة تمنح العمل تماسكًا عضويًا واضحًا.

جماليات الرواية لا تتوقف عند الحبكة أو الشخصيات، وإنما تمتد إلى قدرتها على تحويل الحنين إلى عنصر بنائي دائم داخل النص, فذكر الماضي  بوصفه قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر وتؤثر في قرارات الجميع, وهذا من أهم العناصر الفنية التي منحت الرواية طابعها الإنساني المؤثر.

مع ذلك لا تخلو الرواية من بعض الملاحظات النقدية. فالنزعة العاطفية تطغى أحيانًا على الحركة الدرامية، ما يؤدي في بعض المقاطع إلى إبطاء الإيقاع لصالح التأملات النفسية الطويلة, كما أن بعض الشخصيات تبدو أقرب إلى الرمزية الأخلاقية في لحظات معينة، خاصة عندما تميل إلى التعبير عن الحكمة أو الندم بصورة مباشرة.

ويلاحظ أيضاً أن الكاتبة تمنح مساحة كبيرة للمونولوج الداخلي مقارنة بالفعل الدرامي الخارجي, هذه السمة تخدم البعد النفسي للرواية، لكنها قد تجعل بعض المقاطع أقل حيوية لدى القارئ الذي يفضل السرد الحدثي السريع.

في المحصلة النهائية، تقدم اكاتبة “مها شتا” عملًا اجتماعيًا نفسيًا يعتمد على الوجدان الإنساني والعلاقات الأسرية والفرص الضائعة, ونجاح الرواية في بناء شخصيات حية وقابلة للتصديق، وتفوق في رسم المشاعر الداخلية وتفكيك حالات الحنين والندم والفقد, كما تمتلك لغة سردية مرنة تجمع بين البساطة والتصوير الوجداني، رغم بعض الإطالات التأملية التي تؤثر أحيانًا في سرعة الإيقاع.

“هوس جيسي” رواية تراهن على الإنسان قبل الحدث، وعلى أثر المشاعر قبل صخب الوقائع، وهو ما يمنحها حضورًا عاطفيًا واضحًا, وقدرة على الوصول إلى القارئ عبر مناطق الضعف والحنين الكامنة في النفس البشرية.

الرؤية الفكرية للرواية

في جوهرها لا تتحدث «هوس جيسي» عن الحب بقدر ما تتحدث عن أثر الاختيار الإنساني. فالشخصيات داخل الرواية لا تبدو ضحية القدر وحده، وإنما ضحية قراراتها أيضاً. ومن هنا تنشأ المعضلة الفكرية الأساسية للنص؛ هل يصنع الإنسان مصيره أم أن المصير يعيد تشكيله مهما حاول الهروب منه؟

تطرح الكاتبة هذه الإشكالية عبر سلسلة من الشخصيات, تتحرك بين الرغبة والواجب، وبين الحلم والواقع، وبين ما تريده النفس وما تسمح به الظروف الاجتماعية. فإحسان تخسر حبها الأول دفاعًا عن تصورها الخاص للحياة الزوجية، ومنعم يخسر فرصة العودة إلى الماضي دفاعًا عن كرامته وذاكرته، بينما يحمل حكيم عبء مشاعر أكبر من عمره الحقيقي، فيتحول إلى تجسيد لفكرة النضج المبكر الناتج عن الفقد.

ولا تقدم الرواية إجابات نهائية بقدر ما تترك القارئ أمام سؤال مستمر حول معنى الفرصة الضائعة، وحول قدرة الإنسان على التصالح مع ماضيه. ولهذا تبدو الذاكرة داخل العمل أشبه بقوة قدرية موازية للزمن، تلاحق الشخصيات وتعيد تشكيل قراراتها حتى بعد مرور سنوات طويلة.

ومن زاوية أخرى تكشف الرواية رؤية واضحة تجاه الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للهوية النفسية. فكل انكسار عاطفي أو اضطراب وجداني داخل النص يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بفقد أحد أفراد الأسرة أو غيابه أو اختلال دوره. ومن هنا تتحول العلاقات العائلية من خلفية للأحداث إلى جوهرها الحقيقي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى