لا للإهانة.. مدير المدرسة قائد تربوي وليس عامل نظافة
هل نرى الطبيب يمسح غرفة العمليات؟ وهل نرى الضابط يكنس مكتبه؟ فلماذا يُطلب من المعلم ومدير المدرسة القيام بأعمال لا تخص وظيفته؟
بقلم / ممدوح عكاشة
هناك فرق كبير بين المشاركة الإنسانية والتطوعية، وبين أن تتحول الأعمال الخدمية إلى وسيلة تُفرض على المعلم أو مدير المدرسة وكأنها جزء من مهام وظيفته.
أن يقوم مدير مدرسة بمتابعة جاهزية مدرسته، فهذا أمر طبيعي.
أن يتابع نظافة الفصول، وصلاحية المقاعد، وسلامة المبنى، فهذا صميم مسؤوليته الإدارية.
لكن أن نرى مدير المدرسة يمسك أدوات النظافة ويمسح أرضيات المدرسة، أو المعلم يكنس الفصول، أو يقوم بدهان الحوائط، أو تقليم الأشجار، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل: أين احترام المعلم؟ وأين هيبة الوظيفة التربوية؟
هل رأينا طبيبًا يُطلب منه أن يمسح غرفة العمليات بنفسه؟
هل رأينا ضابطًا يُطلب منه كنس مكتبه؟
هل رأينا وكيل نيابة يترك عمله ليقوم بتنظيف غرفة مكتبه؟
لا وألف لا.
ليس لأن الطبيب أو الضابط أو وكيل النيابة أفضل من المعلم، وإنما لأن لكل مهنة مهامها واختصاصاتها، ولكل وظيفة كرامتها وهيبتها.
المعلم الذي يقف أمام الطلاب ليصنع عقولهم، ويؤدي رسالته التربوية، يجب أن يُعامل باعتباره صاحب رسالة ومكانة، وليس شخصًا يمكن تحميله كل ما تعجز الإدارة عن توفيره.
مدير المدرسة قائد.. وليس عامل خدمات
مدير المدرسة مسؤول عن إدارة العملية التعليمية، ومتابعة المعلمين والطلاب، والانضباط، والخطة الدراسية، والتواصل مع الإدارة التعليمية وأولياء الأمور، والحفاظ على سلامة المنشأة.
أما الكنس والدهان وتقليم الأشجار وأعمال النظافة والصيانة، فلها عمال وفنيون وجهات مختصة.
وعندما يصبح مدير المدرسة مضطرًا إلى ترك مكتبه ليمسك المكنسة أو فرشاة الدهان، فالمشكلة ليست في المدير الذي يحاول إنقاذ مدرسته، بل في منظومة سمحت أصلًا بأن تصل الأمور إلى هذه الدرجة.
نحن لا نرفض أن يساعد المدير أو المعلم مدرسته في موقف طارئ أو مبادرة تطوعية باختياره؛ فهذا يُحترم ويُقدّر.
لكننا نرفض بشدة أن تتحول المبادرة إلى واجب مفروض، أو وسيلة للضغط، أو معيار لتقييم المدير والمعلم.
نريد مدرسة نظيفة.. ولكن ليس على حساب كرامة المعلم
نعم، نريد مدارس نظيفة وجميلة ومهيأة لاستقبال أبنائنا.
نريد الفصول نظيفة، والحوائط مطلية، والأشجار مقلمة، ودورات المياه لائقة.
لكن السؤال البسيط: من المسؤول عن تنفيذ هذه الأعمال؟
إذا كانت المدرسة تحتاج إلى عامل نظافة، فوفّروا لها عامل نظافة.
وإذا كانت تحتاج إلى دهان، فاستعينوا بفني دهانات.
وإذا كانت تحتاج إلى تقليم أشجار، فليأتِ المختصون بذلك.
أما أن نعالج نقص العمالة بأن نحمل المعلم ومدير المدرسة هذه الأعمال، ثم نتحدث بعد ذلك عن تطوير التعليم وجودة العملية التعليمية، فهذا تناقض لا يمكن قبوله.
كرامة المعلم ليست رفاهية
المعلم ليس موظفًا بلا قيمة حتى يُطلب منه كل شيء.
مدير المدرسة ليس عامل خدمات.
وكيل المدرسة ليس عامل نظافة.
المعلم ليس دهانًا.
وليس بستانيًا.
وليس عامل صيانة.
المعلم له وظيفة، وله مؤهل، وله رسالة، وله كرامة يجب أن تُصان.
وإذا كنا نريد فعلًا إصلاح التعليم، فعلينا أن نبدأ بإصلاح نظرتنا إلى المعلم.
احترموا المعلم، يحترم التعليم.
احترموا مدير المدرسة، تُحترم المدرسة.
وفّروا العمالة اللازمة، بدلًا من تحويل أصحاب الرسالة التعليمية إلى عمال خدمات.
رسالتنا ليست ضد النظافة، وليست ضد تجميل المدارس، وإنما ضد إهانة من يحملون رسالة التعليم.
فمن يريد مدرسة محترمة، عليه أولًا أن يحترم من يديرها ومن يعمل داخلها.
لا وألف لا لإهانة المعلم.
لا وألف لا لإهانة مدير المدرسة.
التعليم رسالة.. والمعلم صاحب رسالة، وليس عامل خدمات.








