آخر حلم كان ليك… بيت صغير
دعاء شعبان
في وقتٍ ما من حياتنا، نكتشف أن أحلامنا لم تكن يومًا كبيرة كما كنا نظن. لا نحتاج إلى قصر، ولا إلى ثروة، ولا إلى حياة مثالية كما تبدو في الصور. كل ما نريده، بعد سنوات من التعب، هو مكان صغير نشعر فيه بالأمان… بيت صغير يشبهنا.
بيت نعود إليه في نهاية يوم طويل، فنجد فيه راحة لا تحتاج إلى تفسير. بابٌ نغلقه خلفنا، فنترك عند عتبته ضجيج العالم ومشكلاته. نافذة تدخل منها شمس الصباح، وركن صغير نضع فيه أشياءنا البسيطة، وشخص نشعر معه أننا لسنا مضطرين لأن نتظاهر بالقوة طوال الوقت.
كان هذا هو الحلم.
لم يكن الحلم في حجم البيت، وإنما في الشعور الذي نريده بداخله. أن نجد شخصًا يسألنا بصدق: «كيف كان يومك؟»، وأن تكون هناك يد تمتد إلينا عندما نتعب، وصوت يطمئننا عندما نخاف، وقلب لا يجعلنا نشعر بأن وجودنا عبء.
ومع مرور الوقت، نتعلم أن الأمان ليس جدرانًا وسقفًا فقط. أحيانًا يكون الأمان في شخص، في كلمة، في حضن، أو حتى في وجود إنسان نستطيع أن نكون أمامه على حقيقتنا دون خوف من أن يحكم علينا أو يتخلى عنا.
ولهذا، عندما يتعلق القلب بشخص، يبدأ في بناء البيت داخله قبل أن يبنيه على الأرض. نرسم معه المستقبل، نتخيل تفاصيل الأيام العادية، نختلف على لون الجدران، ونحلم بفنجان قهوة في صباح هادئ، وبضحكة تملأ المكان.
لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نتمنى.
أحيانًا نكتشف متأخرين أن الشخص الذي ظنناه وطنًا لم يكن يريد أن يبقى. وأن المكان الذي تخيلناه بيتًا لم يكن سوى محطة عابرة. عندها لا نخسر شخصًا فقط، بل نخسر معه صورة كاملة للمستقبل كنا قد عشنا تفاصيلها في خيالنا.
وهذا هو الوجع الحقيقي.
أن تبكي أحيانًا على حياة لم تحدث، وعلى أيام لم تأتِ، وعلى بيت لم يُبنَ أصلًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نندم على أحلامنا. فكوننا حلمنا بالحب والأمان لا يجعلنا ضعفاء، وكوننا صدقنا أحدًا لا يعني أننا كنا أغبياء. نحن فقط كنا نبحث عن شيء بسيط جدًا في عالم أصبح فيه الصدق نادرًا.
ربما لم يكن ذلك الشخص هو المكان الصحيح، وربما لم يكن الوقت مناسبًا، وربما كان علينا أن نخسر الطريق القديم حتى نعرف الطريق الذي يستحق أن نسلكه.
لذلك، إذا كان آخر حلم لك هو بيت صغير، فلا تعتقد أن الحلم انتهى لأن شخصًا رحل، أو لأن علاقة فشلت، أو لأن سنوات مرت دون أن تصل إلى ما تمنيت.
فالبيت الذي تبحث عنه قد لا يكون وراء باب شخص آخر. ربما يكون في بداية جديدة، وفي حياة تختارها لنفسك، وفي قلب لم تقابله بعد.
سيأتي يوم تدخل فيه بيتك الصغير، وتضع مفاتيحك على الطاولة، وتنظر حولك فتدرك أن كل ما مررت به لم يكن نهاية الحكاية.
ستفهم وقتها أن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت تحميك من أماكن لم تكن لك، وأن بعض الأشخاص الذين رحلوا كانوا يفسحون الطريق لمن سيعرف كيف يبقى.
وفي النهاية، ربما لا يكون أجمل ما في الحلم أن نصل إليه، بل أن نكتشف أننا كنا نستحقه منذ البداية.
آخر حلم كان ليك… بيت صغير.
فلا تتخلَّ عن الحلم.
قد يتغير المكان، وقد يتغير الشخص، وقد تتغير تفاصيل الحياة…
لكن حقك في أن تجد وطنًا آمنًا لا يتغير.
وربما في يومٍ ما، حين تفتح باب بيتك الصغير، ستبتسم وتقول لنفسك:
«أخيرًا… وصلت.»








