مقالاتمنوعات

أروقة القانون… وحياة الناس. بقلم: حسين عبيد

قائمة المنقولات الزوجية... حين يلتقي العُرف بالقانون وتتكلم الشريعة

أروقة القانون… وحياة الناس

قائمة المنقولات الزوجية… حين يلتقي العُرف بالقانون وتتكلم الشريعة

 

بقلم: حسين عبيد

كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي

في مصر، اكتسبت قائمة المنقولات الزوجية طبيعة خاصة، حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من طقوس الزواج لدى كثير من الأسر. نشأت باعتبارها وسيلة لحفظ الحقوق، لكنها أصبحت في بعض الحالات مصدرًا للخلافات والنزاعات التي قد تمتد إلى ساحات المحاكم.

وهنا يفرض نفسه سؤال مهم: هل تسهم قائمة المنقولات في تحقيق الاستقرار الأسري وحماية الحقوق، أم تحولت بعض الممارسات المرتبطة بها إلى وسيلة للضغط بين الزوجين، وعبء اقتصادي يطارد الآباء قبل الزواج، ثم الأزواج بعده؟

الأب بين التربية والتجهيز

لنتأمل حال أبٍ قضى سنوات عمره في تربية ابنته وتعليمها، وتحمل أعباء الحياة حتى يراها عروسًا تبدأ حياة جديدة. هل يكفيه ما تحمله من مسؤوليات، أم أصبح مطالبًا بأن يخوض معركة اقتصادية أخرى، فيجمع آلاف الجنيهات لتجهيز ابنته بالأثاث والأجهزة والمفروشات؟

وماذا عن الأب الذي لديه أكثر من ابنة، ولا يملك من المال ما يكفي لتجهيزهن وفقًا لما يفرضه العرف الاجتماعي؟

في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع تكاليف المعيشة، قد يجد بعض الآباء أنفسهم مضطرين إلى الاقتراض والاستدانة، لا لأنهم عاجزون عن تحمل مسؤولية بناتهم، وإنما لأن متطلبات الزواج تجاوزت قدراتهم المالية.

وهنا نتساءل: متى أصبح نجاح الزواج مرتبطًا بقيمة الأثاث وحجم الأجهزة، بدلًا من أن يرتبط بالتفاهم والمودة والقدرة على بناء أسرة مستقرة؟

ماذا تقول الشريعة الإسلامية؟

حين نعود إلى الشريعة الإسلامية، نجد أن المهر حق للزوجة، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].

فالمهر حق مالي للمرأة، وليس لأبيها، والأصل أن الزوج هو المكلف بالمهر وفق أحكام الشريعة. أما تجهيز منزل الزوجية، فلا يصح اعتبار جميع تفاصيله واجبًا شرعيًا على والد الزوجة لمجرد أن العرف جرى بذلك.

وقد تتفق الأسرتان على تجهيزات معينة، أو تسهم أسرة الزوجة في الجهاز برضاها، لكن ينبغي التمييز بين الاتفاق والتراضي من جهة، والإلزام الشرعي من جهة أخرى.

فالعرف لا ينبغي أن يتحول إلى عبء يرهق الفقراء، أو إلى معيار تُقاس به قيمة العروس وأسرتها.

القائمة بين حماية الحقوق وسوء الاستخدام

لا يمكن إنكار أهمية قائمة المنقولات عندما تكون وسيلة لإثبات حقوق الزوجة وحماية ما تملكه من منقولات. فالزوجة لها حقوق يجب صونها، ولا يجوز الاستيلاء على أموالها أو إنكار ما ثبت لها منها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تُكتب القائمة على غير الحقيقة، أو تتضمن أشياء غير موجودة، أو تصبح وسيلة للتهديد والمساومة بين الزوجين.

وفي المقابل، لا يجوز النظر إليها باعتبارها سيفًا مسلطًا على الزوج في كل الأحوال؛ فالمسؤولية القانونية تتحدد وفق حقيقة الالتزام وظروف الواقعة والأدلة، ولا يُعد مجرد العجز عن سداد دين جريمة جنائية بذاته.

إن المطلوب ليس إلغاء وسيلة لحماية الحقوق، وإنما ضمان استخدامها بصورة عادلة، تعكس حقيقة المنقولات والالتزامات، وتحول دون استغلالها للإضرار بأي طرف.

هل أصبح العرف سيفًا على رقاب الآباء والأزواج؟

إن بعض الأسر التي تستدين لتجهيز بناتها قد تجد نفسها في دوامة مالية قاسية، وقد تتفاقم الأزمات عندما يعجز المدين عن الوفاء بالتزاماته، فتنعكس آثارها على الأسرة بأكملها.

ومن هنا، يجب أن نعيد النظر في ثقافة المغالاة في تجهيز الزواج، وأن ندرك أن التيسير ليس انتقاصًا من كرامة المرأة، وأن حفظ حقوقها لا يعني تحميل الزوج أو أسرتها ما يتجاوز الاتفاق الحقيقي.

فالعدل لا يكون بانتصار طرف على الآخر، وإنما بحصول كل طرف على حقه والتزامه بما تعهد به، دون مبالغة أو خداع أو استغلال.

كلمة أخيرة

إن قائمة المنقولات الزوجية ليست مشكلة في ذاتها، وإنما تكمن المشكلة في الممارسات التي قد تحيط بها، وفي تحويل العرف إلى التزام اجتماعي يفوق قدرات الأسر، أو تحويل وثيقة لحفظ الحقوق إلى أداة للصراع.

فالأب الذي ربّى وعلّم يستحق ألا يُدفع إلى الاستدانة فوق طاقته، والزوج يستحق ألا يُحمَّل ما لم يلتزم به، والزوجة تستحق أن تكون حقوقها مصونة بالقانون.

فهل آن الأوان لأن نعيد للعُرف حكمته، وللقانون عدالته، وللشريعة مقاصدها، حتى تصبح قائمة المنقولات ضمانًا للحقوق، لا سيفًا مسلطًا على رقاب الآباء والأزواج؟

فالزواج لا يُبنى بكثرة المنقولات، وإنما بالمودة والرحمة والصدق، وببيت يبدأ بالتفاهم، لا بالخوف والديون والنزاع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى