إنك لن تستطيع معي صبرا
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية كما جاء في القرآن الكريم وفي كتب السيرة النبوية الشريفة أنه عندما التقي نبي الله موسي عليه السلام بالرجل الصالح الخضر، قال له موسى ” هل أتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا ” وهو سؤال تلطف لا على وجه الإلزام، وهذا من حسن أدب نبي الله موسي عليه السلام، حيث أنزل نفسه منزلة التلميذ الذي يريد أن يتعلم من أستاذه، فقال الخضر له ” إنك لن تستطيع معي صبرا” مع أنه يعرف قوة نبي الله موسى عليه السلام، وشدة عزيمته في طلبه العلم، ثم قال له ” وكيف تصبر علي ما لم تحط به خبرا” فأنا أعرف أنك سوف تنكر عليّ ما أنت معذور فيه، لأنك لم تطلع على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت عليها أنا دونك، فردّ نبي الله موسى عليه السلام ” قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا” أي سوف أصبر على ما أرى منك.
من أمور ولن أخالفك في شيء أبدا فعند ذلك شارطه الخضر عليه السلام، إياك أن تسألني عن شيء قبل أن أبدأك أنا به، فاتفقا على ذلك، وانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى بلغا مجمع البحرين، ومر عصفور فنزل حتى شرب من الماء، ثم انطلق فقال الخضر لموسى عليهما السلام كم ترى هذا العصفور نقص من هذا الماء؟ فأجاب موسى ما أقل ما نقص، فقال الخضر يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما نقص هذا العصفور من هذا الماء، وبينما هما يمشيان على ساحل البحر، إذ مرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر بنوره ووقاره فحملوهم بغير أجر، فركبوا في السفينة، فكان أول ما فعل الخضر أن بدأ يقلع في ألواح السفينة مما يعرضها للغرق، فاندهش موسى عليه السلام، وقال منكرا عليه ” أخرتقتها لتغرق أهلها” مع أنهم حملونا بغير نول.
” لقد جئت شيئا إمرا ” أي شيئا عجبا، فاعترض موسى عليه السلام لأنه ما كان ليسكت على هذا الأمر المخالف لشريعته، ولكن الخضر عليه السلام ذكره بالشرط الذي بينهما، لأن ما فعلته من الأمور التي اشترطت عليك ألا تنكر عليّ فيها، وهو أيضا من الأمور التي تحتوي على مصلحة لم تعلمها أنت ولم تحط بها خبرا، فقال موسى مستحيا منه ” لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا” أي لا تضيق عليّ ولا تشدد عليّ وقد ورد أن هذه المرة كانت من موسى عليه السلام، نسيانا، فخرج موسى والخضر عليهما السلام، من السفينة وبينما هما يمشيان على الساحل إِذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فتقدم إليه وصرعه على الأرض ثم أخذ رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فصرخ موسى عليه السلام أتقتل نفسا صغيرة لم تعمل إثما قط بغير مستند لقتلها.
إن هذا الأمر منكر ظاهر النكارة، فما كان من الخضر عليه السلام، إلا أن أعاد عليه الشرط الذي بينهما، فأتى بالجار والمجرور تأكيدا على التذكار بالشرط الأول، فاستحى موسى عليه السلام، مرة ثانية وقال في هذه المرة ” إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا” أي إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة فلا تصاحبني بعدها، لأنك قد أعذرت إليّ مرة بعد مرة، وهذه الثانية.








