مقالاتمنوعات

اختلاف الألوان… بقلم د/ محمد سامي

اختلاف الألوان

 

بقلم دكتور محمد سامي

هل يتلون العالم بالأبيض والأسود فقط؟

قد يتعجب البعض من هذا السؤال؛ فألوان الطبيعة واضحة لا تحتاج إلى إثبات أو برهان، ولكن هل هذا دليل كافٍ على وجود ألوان أخرى؟

قبل أن تتهمني بالجنون، دعني أخبرك أن الكفيف لا يرى الألوان، وليس الكفيف وحده، بل إن من لديه عمى بعض الألوان لا يستطيع رؤية جميع الألوان؛ فبالنسبة إليهم، حجتك ضعيفة، ورؤيتك للألوان لا قيمة لها.

قد تقول له:

«هل تشعر بالحرارة؟ لا يمكنك رؤيتها، لكنك تعرف أنها موجودة.

هل تسمع الموسيقى؟ لا يمكنك لمسها، لكنك تدرك أثرها.

هل تشعر بالفرح والحزن؟ لا تستطيع رؤيتهما بعينيك، لكنك تعرف أنهما موجودان من آثارهما عليك.

الألوان كذلك؛ عدم قدرتك على إدراكها لا يعني عدم وجودها، وإنما يعني أن هناك عالمًا من الإدراك لا تصل إليه حواسك».

أعلم أنك قد تتفاخر بحجتك، وأن حجتك أصبحت الآن أقوى، ولكنه يرد عليك قائلًا:

«نعم، الحرارة والمشاعر نشعر بها جميعًا لأنها موجودة، أما الألوان، فلو كانت موجودة، فلماذا لا يشعر بها الجميع؟ فأنت لا تستطيع أن تفرق بشعورك بين لونين مختلفين».

يمكنك أن تقول له:

«أنا لا أطلب منك أن تتخيل اللون الأحمر كما أتخيله، ولا أن تشعر به كما أشعر به. أنا أطلب منك فقط أن تدرك أن عدم امتلاكك وسيلة لإدراك شيء ما لا ينفي وجوده.

أنت لا ترى اللون، لكنك تستطيع أن تعرف أن هناك خاصية في الأشياء تجعل المبصرين يميزون التفاحة الحمراء من الورقة الخضراء، وأن هذه الخاصية لها تفسير فيزيائي يتعلق بالضوء وأطواله الموجية».

قد أقول لك الآن: تهانينا، فقد اقتنع الكفيف! ولكن أظن أننا انحدرنا عن مسار السؤال المطروح، وهو: هل العالم بالأبيض والأسود فقط، أم له ألوان عدة؟

دعني أكن صريحًا معك؛ فقد كان هذا تصوري في صغري. كنت أظن أن العالم شحيح الألوان، ولم يكن يوجد فيه إلا اللونان الأبيض والأسود، وكان برهاني على ذلك الأفلام الكلاسيكية؛ فقد كانت جميع الألوان معدومة، ولم يكن يظهر فيها إلا الأبيض والأسود.

ولكن، الحمد لله، اقتنعت بعدها بأن للعالم ألوانًا عدة، وأن الكاميرا التي رأيت من خلالها تلك الأفلام لم تستطع التقاط كل هذه الألوان البديعة، فلم تنقل إلينا إلا الأبيض والأسود.

ظننت أنني تجاوزت تلك النظرة القاصرة عندما أدركت أن العالم ليس أبيض وأسود، لكنني اكتشفت لاحقًا أنني لم أتجاوزها حقًا؛ فقد انتقلت من عيني إلى عقلي.

فقد اكتشفت أن عقلي لم يكن يرى العالم إلا بتلك التقسيمة العاجزة عن إظهار الصورة الحقيقية لما يدور حولي. فقد كنت أرى الدنيا بمنظور الثنائيات فقط: ثنائية الخير والشر.

كنت أرى العالم بمنظور يميل إلى تقسيمه إلى ثنائيات وأقطاب، مثل: الخير والشر، والحق والباطل، والعقل والخرافة، والعلم والجهل، واليمين واليسار.

وبطبيعة الحال، ليست كل الثنائيات مغالطات منطقية، فبعضها يعبر عن اختلافات حقيقية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى أحكام سطحية تختزل التعقيد الإنساني والكوني في تلك التقسيمات، ولا تترك مساحة للمواقف الوسطية أو الاحتمالات،

ولا تترك مساحة لتعقيد المواقف، أو تعدد الاحتمالات، أو اختلاف زوايا النظر، أو حتى لقبول الآخر، بدعوى أنه يقف على الجانب الآخر من الحقيقة أو الخير أو العدالة.

لو كان تخيل أن العالم بالأبيض والأسود فقط ضربًا من الجنون، فمن المؤكد أن اختزال الأشخاص والأشياء في تلك التقسيمات الثنائية هو الجنون ذاته.

وفي النهاية، للعالم ألوان كثيرة لا أستطيع أن أحصيها، ولكني في النهاية أفضل اللون الأخضر.

زر الذهاب إلى الأعلى