تعريف المدرسة الجيو-استراتيجية الكلاسيكية
بقلم / عادل شلبي
المقال الأول من سلسلة نظريات السيطرة الاستراتيجية
كثير من الناس يتحدث عن السياسة الدولية، والقليل منهم يعرف أن كل ما يحدث اليوم في غزة وأوكرانيا وتايوان وقناة السويس، هو تطبيق حرفي لنظريات كتبت منذ أكثر من مائة عام.
هذه النظريات تسمى المدرسة الجيو-استراتيجية الكلاسيكية.
فما هي هذه المدرسة ؟
المفهوم :
المدرسة الجيو-استراتيجية هي المدرسة التي تقول إن الجغرافيا هي التي تصنع التاريخ، وليس العكس. وأن الدولة التي تفهم خريطة العالم، هي التي تحكمه. وأن السيطرة على الأرض والبحر والممرات، أهم من أي ديمقراطية أو مواثيق دولية.
هذه المدرسة ولدت في أواخر القرن التاسع عشر، عندما أرادت القوى الاستعمارية أن تضع قانونا علميا لاستعمارها للشرق.
ولها ثلاثة آباء كبار :
الأب الأول : ألفرد ثاير ماهان – أمريكي – 1840-1914
هذا أدميرال في البحرية الأمريكية، كتب كتابه الأشهر سنة 1890 بعنوان “تأثير القوة البحرية على التاريخ”.
قال ماهان ببساطة : من يسيطر على البحار، يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة، يسيطر على العالم.
ولذلك طالب أمريكا ببناء أسطول ضخم، والسيطرة على الممرات: قناة السويس، قناة بنما، مضيق هرمز، مضيق باب المندب.
هل فهمنا الآن لماذا الأسطول الأمريكي لا يغادر البحر الأحمر والمتوسط؟ إنه يطبق نظرية ماهان حرفيا.
الأب الثاني: هالفورد ماكيندر – بريطاني – 1861-1947
أستاذ جغرافيا في أكسفورد، قال مقولته الشهيرة سنة 1904 :
“من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم، ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم كله”
وماذا يقصد بقلب الأرض ؟
يقصد المنطقة الممتدة من روسيا إلى آسيا الوسطى إلى سيبيريا. هذه المنطقة محصنة، لا يمكن غزوها من البحر، وفيها كل الموارد.
ولذلك كل حروب الغرب ضد روسيا، من نابليون إلى هتلر إلى الناتو اليوم، هي محاولة لمنع روسيا من توحيد قلب الأرض. وهذا ما يفسر لنا الحرب في أوكرانيا.
الأب الثالث : نيكولاس سبيكمان – أمريكي هولندي الأصل – 1893-1943
تلميذ ماكيندر، لكنه عدل نظريته. كتب كتابه “جغرافية السلام” سنة 1944.
قال سبيكمان : لا، القلب ليس هو المهم، بل الحافة.
وحافة الأرض هي: كل السواحل المحيطة بقلب الأرض، أي: الشرق الأوسط، وتركيا، وإيران، وباكستان، والهند، والصين، وكوريا.
وقال : “من يسيطر على الحافة، يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يسيطر على العالم”
ولذلك، أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تحاول غزو روسيا مباشرة، بل طوقتها بالأحلاف على الحافة: حلف الناتو في أوروبا، وحلف بغداد في الشرق الأوسط، وحلف سيتو في آسيا.
هل عرفنا الآن لماذا زرعوا الكيان الصهيوني في قلب الحافة؟ لأنه قاعدة متقدمة لخنق القلب.
هذه هي المدرسة الكلاسيكية: ماهان قال البحر، وماكيندر قال البر والقلب، وسبيكمان قال الحافة.
وكل السياسة الدولية اليوم، من حصار إيران برا وبحرا، إلى قمة روسيا أفريقيا، إلى مشروع الضبعة والمنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس، هي محاولة لكسر هذه النظريات الاستعمارية، وبناء عالم جديد يكون فيه الشرق هو راعي الحضارات، وليس تابعا للغرب.
وفي المقال القادم: نظرية صراع الحضارات وكيف كذب هنتنجتون على العالم.








