تاريخ وحضارات

التاريخ من وراء الستار. بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

سليم الأول. السلطان الذي حمل السيف إلى الشرق وغيّر خريطة العالم الإسلامي

من صراع العرش إلى جالديران… ومن مرج دابق إلى القاهرة، رحلة سلطان لم يترك للحدود القديمة مكانًا

لم يكن تنازل بايزيد الثاني عن العرش في الرابع والعشرين من أبريل سنة 1512م مجرد نهاية حكم سلطان، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العثمانية؛ مرحلة لم تعد فيها سياسة التهدئة كافية لحماية الإمبراطورية، ولم يعد التردد قادرًا على إيقاف القوى التي أخذت تقترب من حدودها.

كان بايزيد قد حاول أن يحافظ على ميراث أبيه محمد الفاتح، وأن يمنح الدولة فرصة للاستقرار بعد سنوات من الحروب والصراعات. لكن الشرق كان يغلي، والصفويون يوسعون نفوذهم في الأناضول، والمماليك يراقبون التحركات العثمانية بقلق، وأوروبا لم تتخلَّ عن طموحها في وقف التوسع العثماني.

وفي قلب هذا المشهد ظهر سليم الأول؛ رجل لم يشبه أباه في طباعه، ولم يرَ في الحذر وسيلة كافية لحماية الدولة.

كان يرى أن الخطر إذا تُرك حتى يقترب من أبواب العاصمة، فلن يكون من السهل إبعاده. وأن الإمبراطورية التي تريد البقاء لا بد أن تحسم صراعاتها قبل أن تتحول إلى تهديد وجودي.

لكن سليم لم يبدأ حكمه بفتح مدينة أو هزيمة جيش أجنبي، بل بدأه بصراع داخل أسرته، انتهى بإزاحة أبيه عن العرش، ثم بتصفية الطريق أمام منافسيه.

ومن هنا تبدأ حكاية السلطان الذي نقل مركز الثقل العثماني من أوروبا والبلقان إلى الشرق، وغيّر خريطة المنطقة خلال سنوات قليلة.

أولًا: ابن طرابزون ،

الذي انتظر العرش ،

وُلد سليم سنة 1470م تقريبًا، ونشأ في بيت السلطنة خلال عهد جده محمد الفاتح، ثم عهد أبيه بايزيد الثاني.

وتولى ولاية طرابزون، وهي ولاية ذات أهمية استراتيجية، تقع على ساحل البحر الأسود، وتجاور مناطق النفوذ التركماني والصفوي الناشئ في الشرق.

لم تكن طرابزون ولاية بعيدة عن السياسة الكبرى؛ فقد كانت بوابة لمراقبة التحولات في الأناضول وشرقها، ومن خلالها تابع سليم صعود الشاه إسماعيل الصفوي، الذي أخذ يبني قوة جديدة قادرة على التأثير في القبائل والجماعات داخل الأراضي العثمانية.

وكان سليم أكثر تشددًا من أبيه تجاه هذا التمدد. فقد رأى أن الدعوة الصفوية لم تعد مجرد حركة دينية أو سياسية خارج الحدود، بل أصبحت قوة قادرة على زعزعة ولاء بعض المناطق العثمانية.

أما بايزيد، فكان يفضل الاحتواء وتجنب الحرب المباشرة، بعدما أثقلته الصراعات السابقة، ورأى أن الدولة تحتاج إلى الاستقرار أكثر مما تحتاج إلى مغامرة عسكرية جديدة.

وهنا بدأ الخلاف بين الأب والابن يتجاوز اختلاف الطباع؛ فقد كان كل منهما يرى مستقبل الدولة من زاوية مختلفة.

بايزيد أراد الحفاظ على ما ورثه، وسليم أراد تغيير ميزان القوة قبل أن يفرض الآخرون شروطهم على الدولة.

لكن وراء هذا الخلاف السياسي كان هناك سؤال أكثر خطورة: من سيحكم بعد بايزيد؟

كان أحمد وقورقود وسليم أبرز أبناء السلطان الذين تدور حولهم حسابات وراثة العرش. ومع تقدم بايزيد في العمر، أخذت المنافسة تتحول إلى صراع مفتوح، تتداخل فيه رغبات الأمراء مع مصالح رجال الدولة والانكشارية.

ثانيًا: العرش الذي انتُزع من الأب

لم يكن سليم راضيًا عن ابتعاده عن مركز الحكم، ولم يكن يثق بأن والده سيختاره وريثًا للسلطنة.

فقد بدا أن بايزيد يميل إلى ابنه أحمد، الذي كان أقرب إلى سياسته الهادئة، وأكثر استعدادًا لمواصلة نهجه.

أما سليم، فكان يرى أن اختيار أحمد سيعني استمرار سياسة لا تتفق مع رؤيته للخطر الصفوي، فضلًا عن أنه سيُبعده نهائيًا عن فرصة الوصول إلى العرش.

تحرك سليم، وجمع حوله أنصارًا من القوات العسكرية، واستفاد من تأييد قطاعات من الانكشارية الذين لم يكونوا راغبين في وصول أحمد إلى الحكم.

وكانت الأزمة قد كشفت أن السلطان لم يعد يملك وحده تحديد خليفته؛ فالجيش أصبح قوة سياسية مؤثرة، قادرة على ترجيح كفة أمير على آخر.

وفي أغسطس سنة 1511م، وقعت المواجهة بين قوات سليم وقوات أبيه قرب تشورلو، وانتهت بهزيمة سليم واضطراره إلى التراجع.

لكن الهزيمة لم تُنهِ طموحه، كما لم تمنح بايزيد استقرارًا حقيقيًا.

فقد رفض الانكشارية دخول أحمد إلى إسطنبول، وأصبح السلطان محاصرًا بين ابنه الذي يريد العرش، وجيش لا يقبل الوريث الذي يفضله.

وفي أبريل سنة 1512م، اضطر بايزيد إلى التنازل عن السلطنة.

دخل سليم إسطنبول، وتسلم الحكم، ليصبح السلطان التاسع في الدولة العثمانية.

كان المشهد مؤلمًا في دلالته؛ فبايزيد الذي ورث العرش بعد صراع مع أخيه جم، انتهى حكمه بصراع مع ابنه سليم.

لكن وصول سليم إلى السلطنة لم يكن نهاية الأزمة؛ فقد كان أمامه منافسون من داخل الأسرة، وكان يعلم أن تركهم أحياء مع امتلاكهم أنصارًا قد يعيد الدولة إلى دوامة الحرب الأهلية.

ثالثًا: تثبيت السلطنة ،

حين أصبح الدم ثمنًا للاستقرار

بعد توليه الحكم، واجه سليم مشكلة الأمراء المنافسين، وفي مقدمتهم أحمد وقورقود.

كان أحمد قد تمكن من تثبيت نفوذه في أجزاء من الأناضول، وامتلك أنصارًا بين بعض رجال الدولة والقبائل. أما قورقود، فقد سبق أن غادر إلى مصر ثم عاد، وظل اسمه حاضرًا في حسابات وراثة العرش.

لم يكن سليم مستعدًا لترك منافسيه يحتفظون بقواعد قوة يمكن أن تتحول إلى مراكز تمرد.

فدخل في مواجهة مع أخيه أحمد، وانتهى الأمر بمقتله سنة 1513م بعد هزيمته وأسره. كما أُعدم قورقود في العام نفسه، بعدما حاول الابتعاد عن الصراع ثم وقع في قبضة أخيه.

كانت تلك بداية عهد شديد القسوة؛ إذ رأى سليم أن وحدة الدولة لا يمكن أن تقوم فوق عرش ينازعه أمراء يمتلكون الشرعية والنفوذ.

لكن هذا القرار ترك جرحًا عميقًا في تاريخ الأسرة العثمانية، وأظهر أن صراع السلطة لم يعد مجرد خلاف على ترتيب الوراثة، بل أصبح صراعًا قد تنتهي نتيجته بإزالة المنافسين من الوجود.

لقد استقر العرش، لكن الثمن كان ثقيلًا.

ومن هنا استطاع سليم أن يوجه اهتمامه إلى الشرق، حيث كان خصمه الأكبر ينتظره.

رابعًا: الشاه إسماعيل ،

الدولة التي خرجت من الشرق

في إيران، كان الشاه إسماعيل الصفوي قد أسس دولة جديدة سنة 1501م، واتخذ تبريز عاصمة له، وفرض المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة.

لم يكن قيام الدولة الصفوية حدثًا محليًا محدودًا؛ فقد أنشأ قوة سياسية وعسكرية جديدة، امتد نفوذها إلى مناطق واسعة من إيران والعراق وأجزاء من الأناضول.

وكانت قوة الصفويين تعتمد على جماعات قبلية مقاتلة عُرفت باسم القزلباش، ارتبطت بالشاه بولاء شديد، وأسهمت في توسيع نفوذه.

أما الدولة العثمانية، فقد رأت في هذا التمدد تهديدًا مباشرًا لسلطتها، خاصة مع انتشار الدعوة الصفوية بين جماعات داخل الأناضول، ووقوع اضطرابات تمردية كان أبرزها تمرد شاهقلي سنة 1511م.

كان الصراع هنا أعمق من مجرد اختلاف مذهبي؛ فقد تداخلت فيه العقيدة مع السياسة، والولاء القبلي مع النفوذ الإقليمي، وأصبح كل طرف يخشى أن تتحول جماعات الطرف الآخر إلى قوة داخل حدوده.

لم يكن سليم يرى في الشاه إسماعيل حاكمًا مجاورًا فحسب، بل منافسًا على النفوذ في العالم الإسلامي، وقوة قادرة على تفكيك الجبهة الداخلية العثمانية.

أما إسماعيل، فقد كان يرى في صعود العثمانيين تهديدًا لمشروعه السياسي، خاصة مع امتداد نفوذهم نحو الأناضول وشرقها.

وهكذا أصبح الصدام بين الرجلين مسألة وقت.

خامسًا: جالديران ، المدافع التي حسمت المواجهة

في سنة 1514م قرر سليم أن يواجه الصفويين في عقر دارهم.

جهز جيشًا كبيرًا، وتحرك شرقًا عبر الأناضول، بعد أن اتخذ إجراءات لتأمين خطوط الإمداد، وضمان ألا تتحول المناطق التي يمر بها إلى قواعد مساعدة للخصم.

لم تكن الحملة سهلة؛ فقد واجه الجيش العثماني مسافات طويلة، وطرقًا صعبة، ونقصًا في المؤن، فضلًا عن سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها الصفويون في بعض المناطق لإرهاق القوات المتقدمة.

وكان الشاه إسماعيل يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة فرسانه وهجماتهم، بينما امتلك العثمانيون مدفعية قوية وأسلحة نارية منحته تفوقًا في المعارك المفتوحة.

وفي الثالث والعشرين من أغسطس سنة 1514م، التقى الجيشان في سهل جالديران، شمال غربي إيران.

كانت المعركة فاصلة.

اندفع فرسان القزلباش في هجماتهم المعروفة بالسرعة والعنف، لكنهم واجهوا مدافع عثمانية وخطوطًا دفاعية منظمة، واستطاعت النيران الكثيفة أن تُحدث خسائر كبيرة في صفوفهم.

لم يكن التفوق العثماني مجرد كثرة في الجنود، بل كان تفوقًا في تنظيم المعركة واستخدام المدفعية والأسلحة النارية، وهي عناصر أثبتت أهميتها في الحروب الكبرى خلال ذلك العصر.

انهزم الشاه إسماعيل، وأُصيب مشروعه العسكري بضربة قاسية، ودخل العثمانيون تبريز في أعقاب المعركة.

لكن النصر لم يتحول إلى احتلال دائم لإيران.

فقد واجه سليم مشكلات في الإمدادات، واقتراب الشتاء، واضطرابات بين جنوده، كما أن الجيش لم يكن مهيأً لمواصلة التقدم إلى عمق الأراضي الصفوية.

اضطر السلطان إلى الانسحاب من تبريز، لكنه لم يعد إلى نقطة البداية؛ فقد أثبت أن الدولة العثمانية قادرة على مواجهة الصفويين عسكريًا، وأضعف هيبتهم في مناطق واسعة، وفتح الباب أمام تثبيت النفوذ العثماني في شرق الأناضول.

أما الشاه إسماعيل، فقد خرج من جالديران حيًا، لكنه لم يعد الرجل الذي لا يُهزم.

ومن وراء الستار ،

لم تكن جالديران مجرد معركة بين سلطانين؛ كانت مواجهة بين نموذجين في إدارة الحرب، أحدهما يعتمد على اندفاع الفرسان، والآخر يجمع بين الفرسان والمدفعية والتنظيم العسكري.

سادسًا: ديار بكر وذي القدر… الطريق إلى قلب الشرق

بعد جالديران، لم يتوقف سليم عند حدود النصر العسكري.

كان يعلم أن السيطرة على شرق الأناضول لا تتحقق بمعركة واحدة، وأن النفوذ الصفوي يمكن أن يعود إذا بقيت الإمارات المحلية مترددة بين القوتين.

وكانت إمارة ذي القدر، التي تقع في منطقة مهمة بين الأناضول والشام، من أبرز مناطق التنافس.

وقد اتخذ سليم موقفًا حاسمًا من علاء الدولة بوذق، حاكم الإمارة، بسبب علاقاته ومواقفه التي رآها العثمانيون تهديدًا لمصالحهم.

وفي سنة 1515م تحركت القوات العثمانية ضد الإمارة، وانتهى الصدام بمقتل علاء الدولة، ودخول أراضيها تحت النفوذ العثماني.

كما عمل العثمانيون على تثبيت وجودهم في ديار بكر ومناطق أخرى من شرق الأناضول، مستفيدين من التحالفات المحلية ومن دور شخصيات سياسية وعلمية، كان من بينها إدريس البدليسي الذي أسهم في كسب عدد من القوى المحلية إلى الجانب العثماني.

لم يكن هذا التوسع مجرد إضافة أراضٍ جديدة إلى الإمبراطورية؛ فقد كان خطوة استراتيجية لتأمين الجبهة الشرقية، وإبعاد النفوذ الصفوي عن المناطق التي يمكن أن تهدد الأناضول.

لكن هذا التقدم جعل العثمانيين يقتربون أكثر من مناطق النفوذ المملوكي.

وهنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع.

سابعًا: المماليك ،

الخصم الذي لم يكن سليم يستطيع تجاهله

كانت دولة المماليك تحكم مصر والشام والحجاز، وتمتلك موقعًا بالغ الأهمية في العالم الإسلامي.

فالقاهرة كانت مركزًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا، ودمشق تمثل بوابة الشام، والحجاز يمنح السلطان المملوكي مكانة دينية مرتبطة بالحرمين الشريفين.

وكان المماليك قد خاضوا صراعات طويلة مع العثمانيين في عهد بايزيد، وانتهت الحرب بينهما سنة 1491م دون حسم نهائي.

لكن الظروف تغيرت بعد صعود الصفويين.

فقد اتهم العثمانيون المماليك بالتساهل مع النفوذ الصفوي، كما أثارت تحركات القوات العثمانية في المناطق الحدودية قلق القاهرة.

وكان السلطان المملوكي قانصوه الغوري يدرك أن الدولة العثمانية أصبحت قوة أكبر مما كانت عليه قبل سنوات، وأن توسعها في شرق الأناضول قد يجعلها تقترب من الشام، التي تمثل خط الدفاع الأول عن مصر.

لم يكن الصدام بين الطرفين نتيجة سبب واحد؛ فقد تداخلت فيه المنافسة على الإمارات الحدودية، والشكوك السياسية، والتحالفات، وموقف كل دولة من الصفويين، فضلًا عن رغبة العثمانيين في توسيع نفوذهم جنوبًا.

حاول قانصوه الغوري أن يتعامل مع الأزمة بحذر، وتحرك في الشام، وجرت اتصالات ومفاوضات بين الطرفين، لكن الثقة كانت قد تآكلت.

وفي النهاية، قرر سليم أن يحسم المواجهة.

ثامنًا: مرج دابق ،

حين سقطت بوابة الشام

في صيف سنة 1516م تحرك الجيش العثماني نحو الشام.

كان قانصوه الغوري قد خرج لمواجهة القوات العثمانية، وجمع جيشًا ضم قوات مملوكية وحلفاء من المنطقة.

وفي الرابع والعشرين من أغسطس سنة 1516م، التقى الجيشان في سهل مرج دابق شمالي حلب.

كانت المعركة اختبارًا حقيقيًا لقوة الدولتين.

امتلك العثمانيون مدفعية أكثر تطورًا وتنظيمًا، بينما اعتمد المماليك بدرجة كبيرة على فرسانهم الذين اشتهروا بالشجاعة والخبرة القتالية.

لكن المعركة لم تُحسم بالسلاح وحده؛ فقد شهدت اضطرابات وانشقاقات في صفوف المماليك، وتبدلت مواقف بعض القادة أثناء القتال، وهو ما أضعف تماسك الجيش في لحظة حاسمة.

وانتهت المعركة بانتصار العثمانيين.

أما قانصوه الغوري، فقد اختفى أثناء الفوضى التي أعقبت الهزيمة، وتعددت الروايات حول مصيره، فلا يمكن الجزم بتفاصيل موته على وجه اليقين.

كان سقوط الغوري نهاية مرحلة من تاريخ الدولة المملوكية، لكنه لم يكن نهاية مقاومتها.

دخل العثمانيون حلب، ثم دمشق، وبدأت مدن الشام تدخل تباعًا في دائرة النفوذ العثماني.

وبذلك أصبح الطريق إلى مصر مفتوحًا.

لكن سليم كان يعلم أن السيطرة على الشام لا تعني سقوط دولة المماليك؛ فمصر ما زالت قائمة، وفي القاهرة سلطان جديد هو طومان باي، ولن يكون مستعدًا للتنازل عن عرشه بسهولة.

تاسعًا: طومان باي ،

السلطان الذي رفض أن يسلّم مصر

بعد اختفاء قانصوه الغوري في مرج دابق، تولى طومان باي السلطنة في القاهرة.

كان رجلًا من رجال الدولة المملوكية، ويمتلك خبرة عسكرية وإدارية، لكنه وجد نفسه أمام أخطر أزمة واجهتها السلطنة منذ تأسيسها.

فالشام سقطت، والجيش المملوكي تعرض لهزيمة قاسية، والسلطان العثماني يتقدم نحو مصر بجيش قوي.

أرسل سليم رسائل إلى طومان باي يطلب منه التسليم والدخول في الطاعة، لكن طومان باي رفض.

لم يكن الرفض مجرد موقف شخصي؛ فقد كان يعلم أن قبول شروط سليم يعني نهاية استقلال الدولة المملوكية، وتحول مصر إلى ولاية تابعة لإسطنبول.

بدأ طومان باي إعداد الدفاع عن البلاد، وجمع ما استطاع من القوات، وحاول إعادة تنظيم الجيش، والاستفادة من الفرسان والمقاتلين، كما عمل على تجهيز خطوط الدفاع عند مداخل القاهرة.

لكن المماليك كانوا يواجهون مشكلة كبيرة: لم تعد لديهم القدرة العسكرية نفسها التي امتلكوها في أوج قوتهم، بينما أصبح الجيش العثماني أكثر تنظيمًا وتسليحًا.

ومع ذلك، لم تكن مصر أرضًا سهلة؛ فقد كان النيل وشبكة الترع والممرات المائية، فضلًا عن طبيعة القاهرة، عوامل تجعل دخولها بالقوة أمرًا بالغ الصعوبة.

كان سليم يدرك أن المعركة الأخيرة لن تكون مجرد مواجهة بين جيشين، بل ستكون مواجهة على مستقبل مصر ومكانتها في العالم الإسلامي.

عاشرًا: الريدانية ،

المعركة التي فتحت أبواب القاهرة

في الثاني والعشرين من يناير سنة 1517م، وصلت المواجهة إلى الريدانية، عند أطراف القاهرة.

كان طومان باي قد أعد دفاعاته، واستفاد من المدافع والتحصينات، وحاول أن يجعل الطريق إلى العاصمة مكلفًا على العثمانيين.

لكن سليم لم يتقدم بالطريقة التي توقعها خصمه.

فقد تمكن العثمانيون من الالتفاف على بعض التحصينات، مستفيدين من خبرتهم العسكرية، ومن معرفتهم بمواقع الدفاع، واندلعت معركة عنيفة انتهت بهزيمة الجيش المملوكي.

قُتل السلطان المملوكي الجديد قنصوه الغوري؟ لا؛

فقد كان الغوري قد اختفى بعد مرج دابق، أما طومان باي فقد نجا من المعركة، وواصل المقاومة بعد سقوط القاهرة.

دخل العثمانيون العاصمة، لكنهم لم يسيطروا على مصر بمجرد دخولها.

فقد انسحب طومان باي إلى مناطق أخرى، وجمع أنصاره، واستمر في شن هجمات على القوات العثمانية، معتمدًا على معرفته بالأرض ودعم قطاعات من السكان والمماليك.

تحولت المواجهة إلى حرب مطاردة ومقاومة، وأصبح على سليم أن يثبت أن انتصاره في الريدانية لم يكن مجرد احتلال مؤقت للعاصمة.

وفي النهاية، وقع طومان باي في الأسر بعد أن تعرض للخيانة من بعض من حوله، وأُعدم في أبريل سنة 1517م عند باب زويلة بالقاهرة.

كان مشهد إعدامه من أكثر مشاهد تلك المرحلة قسوة؛ فقد انتهت به حياة آخر سلاطين الدولة المملوكية في مصر، وانتهى معه استقلال السلطنة التي حكمت البلاد قرابة ثلاثة قرون.

لكن سقوط الدولة المملوكية لم يمحُ المماليك من مصر؛ فقد ظل كثير منهم جزءًا من المجتمع والنظام العسكري والإداري، واستمر نفوذهم بأشكال مختلفة داخل الدولة الجديدة.

الحادي عشر: مصر والشام والحجاز ، خريطة جديدة للعالم الإسلامي

بعد دخول القاهرة، لم تعد الدولة العثمانية كما كانت قبل حملة سليم.

فقد أصبحت تسيطر على مصر والشام، وامتد نفوذها إلى الحجاز، بما يحمله ذلك من أهمية دينية وسياسية واقتصادية.

كانت مصر مركزًا زراعيًا وتجاريًا بالغ الأهمية، وكانت القاهرة واحدة من أكبر مدن العالم الإسلامي، كما أن السيطرة على الشام فتحت للعثمانيين طرقًا استراتيجية نحو البحر المتوسط والجزيرة العربية.

أما الحجاز، فقد دخل شريف مكة في طاعة السلطان العثماني، وأصبحت الدولة العثمانية صاحبة النفوذ السياسي الأكبر في حماية طرق الحج والحرمين الشريفين.

ومن هنا اكتسب سليم مكانة جديدة في العالم الإسلامي؛ فلم يعد سلطانًا يحكم الأناضول والبلقان فحسب، بل أصبح حاكمًا لدولة تضم مراكز دينية وتجارية وسياسية كبرى.

وقد ارتبطت هذه المرحلة لاحقًا بالرواية الشهيرة عن انتقال الخلافة العباسية إلى العثمانيين، لكن التفاصيل المتداولة عن مراسم رسمية محددة لتسليم اللقب إلى سليم لا تثبت تاريخيًا بالوضوح نفسه الذي تثبت به الفتوحات العسكرية والسياسية. والأدق أن نقول إن السيطرة على القاهرة والحجاز منحت العثمانيين مكانة دينية وسياسية واسعة، وأسهمت في ترسيخ دورهم بوصفهم القوة الإسلامية الكبرى في ذلك العصر.

لقد تغير ميزان القوى في المنطقة.

فالدولة التي كانت تنافس المماليك على أطراف الشام أصبحت تحكم مصر والشام، والدولة التي كانت تواجه الصفويين على حدود الأناضول أصبحت صاحبة نفوذ واسع في قلب العالم الإسلامي.

الثاني عشر: السلطان الذي لم يكتفِ بما فتحه

بعد عودته من مصر، لم يتوقف سليم عن التفكير في الجبهة الشرقية.

فالصراع مع الصفويين لم ينتهِ بجالديران، والشاه إسماعيل ظل يحكم دولته، ولم يفقد مشروعه السياسي.

كان سليم يخطط لمواجهة جديدة، ويعمل على تعزيز السيطرة العثمانية في المناطق التي ضُمّت حديثًا، وإعادة تنظيم الإدارة والموارد، وتأمين طرق التجارة والحج.

كما بدأ العمل على تطوير القوة البحرية، وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة بما يتناسب مع اتساع رقعتها.

لكن السنوات التي قضاها في الحكم كانت قليلة، ولم تتح له الفرصة لتنفيذ كل ما أراده.

ففي سبتمبر سنة 1520م، مرض سليم أثناء وجوده قرب تشورلو، وتوفي في الحادي والعشرين من الشهر نفسه.

وبوفاته انتهى عهد لم يدم سوى ثماني سنوات تقريبًا، لكنه كان من أكثر العهود تأثيرًا في تاريخ الدولة العثمانية.

ترك سليم لابنه سليمان دولة واسعة، تمتد من البلقان إلى مصر والشام والحجاز، وتواجه الصفويين في الشرق، وتنافس القوى الأوروبية في البحر المتوسط.

كان قد نقل مركز ثقل الإمبراطورية إلى الشرق، وفتح أمام ابنه طريقًا لم يكن متاحًا من قبل.

وهكذا ورث سليمان القانوني دولة مختلفة عن تلك التي تسلمها سليم من أبيه؛ دولة أكثر اتساعًا، وأغنى موارد، وأثقل مسؤوليات.

من وراء الستار…

السلطان الذي غيّر اتجاه التاريخ

لم يكن سليم الأول مجرد سلطان انتصر في معارك كبرى، بل كان حاكمًا أعاد رسم خريطة النفوذ في الشرق الإسلامي خلال سنوات قليلة.

وصل إلى العرش وسط صراع عائلي، وثبّت سلطته بالقوة، ثم واجه الصفويين في جالديران، وانتزع من المماليك الشام ومصر، وأدخل الحجاز في دائرة النفوذ العثماني.

لكن هذه الانتصارات لم تكن بلا ثمن؛ فقد تركت وراءها دماء الأمراء، وانهيار دولة المماليك، وتغيرًا عميقًا في موازين القوى، كما فتحت أبواب صراع طويل بين العثمانيين والصفويين لم ينتهِ بوفاته.

كان سليم يؤمن بأن الدولة لا تستطيع أن تنتظر الخطر حتى يطرق أبوابها، ولذلك اختار أن يحمل الحرب إلى خصومه قبل أن يحملوا الحرب إليه.

لكن التاريخ لا يُقاس بالانتصارات وحدها؛ فكل توسع يخلق مسؤوليات جديدة، وكل أرض تُضاف إلى الإمبراطورية تحتاج إلى إدارة وحماية، وكل نصر عسكري يفتح أسئلة سياسية واقتصادية لا تقل صعوبة عن المعركة نفسها.

من وراء الستار…

لم يكن أعظم ما فعله سليم الأول أنه أسقط دولة المماليك أو هزم الصفويين في جالديران، بل أنه نقل الدولة العثمانية إلى قلب العالم الإسلامي، وترك لابنه إمبراطورية لم تعد حدودها تقف عند الأناضول والبلقان، بل امتدت إلى مصر والشام والحجاز؛ فكان سليم صاحب التحول، وكان سليمان على موعد مع صناعة العصر.

وهكذا انتهى عهد السلطان الذي حمل السيف إلى الشرق، وبدأ عهد السلطان الذي سيحاول أن يحوّل اتساع الإمبراطورية إلى مجد سياسي وعسكري وقانوني.

في الحلقة القادمة:

سليمان القانوني…

السلطان الذي ورث إمبراطورية سليم، وحوّل الانتصارات العسكرية إلى عصر من القوة والامتداد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى