الدرة.. 26 عاماً والرصاصة نفسها تقتل أطفال غزة
بقلم/ أشرف عبد الحميد
المقدمة: الصورة التي لم تمت
اليوم 30 سبتمبر 2026 تحل الذكرى الـ26 لاستشهاد الطفل محمد الدرة، تلك الصورة التي هزت العالم وبكى لها الملايين على الهواء مباشرة. في مثل هذا اليوم من عام 2000، وفي اليوم الثالث لانتفاضة الأقصى التي اندلعت بعد اقتحام أريئيل شارون للمسجد الأقصى، كان العالم على موعد مع جريمة موثقة بالصوت والصورة. رصاصة واحدة قتلت طفلاً، لكنها فضحت جيشاً كاملاً. وبعد 26 عاماً، ما زالت نفس الرصاصة تقتل آلاف الأطفال في غزة.
أولاً: ماذا حدث في ذلك اليوم؟ القصة الكاملة
تعود تفاصيل الواقعة إلى 30 سبتمبر عام 2000 عند مفترق محور نتساريم على شارع صلاح الدين جنوب مدينة غزة. كان الطفل محمد جمال الدرة البالغ من العمر 12 عاماً برفقة والده جمال في طريقهما. حاصرهما إطلاق نار كثيف، فاحتميا خلف برميل إسمنتي. وثق المصور الفرنسي شارل إندرلان العامل في قناة فرانس 2 المشهد كاملاً: الأب يلوح بيده ويصرخ “الولد.. الولد”، والطفل يرتجف خلفه. استمر إطلاق النار لدقائق، ثم سقط محمد شهيداً وأصيب والده. المشهد نقل حياً أمام العالم، ولم تستطع إسرائيل إنكاره.
ثانياً: لماذا محمد الدرة أصبح أيقونة؟
لأن الجريمة كانت موثقة 100% ولا يمكن تبريرها. لم يكن يحمل حجراً ولا سلاحاً، كان عزلاً تماماً. ورغم ذلك استهدفه القناصة الإسرائيليون عمداً. بعد استشهاده، حاولت إسرائيل كعادتها تبرير الجريمة وقالت إن الفلسطينيين هم من قتلوه، لكن تقرير فرانس 2 وتحقيق مستقل أثبت أن الرصاص جاء من برج إسرائيلي. محمد الدرة أصبح رمزاً لكل أطفال فلسطين. واليوم في 2026 عادت صورته إلى المناهج المصرية بعد 26 عاماً ليقرأها جيل لم يولد حين استشهد، كما ذكرت الجزيرة.
ثالثاً: من رصاصة واحدة إلى 9465 انتهاكاً.. ماذا تقول الأمم المتحدة؟
لو كان محمد الدرة يعيش اليوم، لكان عمره 38 عاماً، لكن جرائم إسرائيل تضاعفت آلاف المرات. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن الأطفال والنزاعات المسلحة لعام 2025-2026 قال بالنص: ارتكبت القوات الإسرائيلية 9465 انتهاكاً جسيماً بحق الأطفال في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي تقرير عام 2024 وثق 8554 انتهاكاً خطيراً ضد 2944 طفلاً. ولهذا أبقت الأمم المتحدة إسرائيل في “القائمة السوداء” و”قائمة العار” ووصفتها بأنها “الطرف الذي قتل وشوه الأطفال والطرف الذي هاجم المدارس والمستشفيات”.
رابعاً: جرائم لا تتوقف ضد الأطفال والنساء والعزل
الجريمة لم تتوقف عند محمد الدرة. مكتب الأمم المتحدة “أوتشا” وثق استشهاد 224 طفلاً في الضفة الغربية فقط بين يناير 2023 ويناير 2025 على أيدي الاحتلال والمستوطنين. وفي غزة، منذ أكتوبر 2023 قُتل أكثر من 17 ألف طفل. التقرير الأممي الأخير قال إن الجيش قتل 32 فلسطينياً بينهم 9 أطفال في 3 أشهر فقط. المستوطنون نفذوا 630 هجوماً. والجيش اعتقل 981 طفلاً فلسطينياً في عام 2025 بينهم 8 فتيات، واحتجز 180 طفلاً دون تهمة. هذه ليست حرب، هذه إبادة للأطفال والنساء العزل من السلاح.
خامساً: قبره محاصر.. حتى الموتى لم يسلموا
بعد 26 عاماً، حتى قبر محمد الدرة لم يسلم. في ذكرى هذا العام 2026، قالت عائلة الدرة إن الوصول إلى قبره في مقبرة مخيم البريج أصبح محفوفاً بالمخاطر بسبب انتشار آليات الاحتلال. كما استشهد شقيقه أحمد الدرة في قصف إسرائيلي لمنزل العائلة في البريج، ولحق به والده الذي فقد شقيقيه نائل وإياد قبل ذلك. إسرائيل لا تقتل الطفل مرة واحدة، بل تقتل العائلة كلها وتطارد حتى القبور.
الخلاصة: الدرة لم يمت
قال محمود درويش عن محمد الدرة: “لن تموت”. وفعلاً لم يمت. كل طفل يستشهد في غزة اليوم هو محمد الدرة جديد. الرصاصة التي قتلته عام 2000 هي نفسها التي قتلت 300 طفل في غزة منذ وقف إطلاق النار الأخير. إسرائيل التي قتلت طفلاً عزلاً خلف برميل عام 2000، هي نفسها التي تقصف اليوم شقة فيها طفل نائم وتقول “اغتلنا قائداً”. جريمة الدرة وثقتها كاميرا واحدة، أما اليوم فآلاف الكاميرات توثق نفس الجريمة كل يوم.








