العزلةُ الشخصيةُ وعلاقتها بالأمراضُ النفسيةُ
بقلم: جمال القاضي
ليستِ العزلةُ في أنْ يبتعدَ الإنسانُ عنِ النّاسِ بجسدِهِ ليجدَ نفسَهُ وحيدًا بينَ أربعةِ جُدرانٍ، يختفي ويتوارى خلفَها؛ بلِ العزلةُ الحقيقيةُ هيَ إطارٌ وهميٌّ صلبٌ يُضرَبُ حولَ الشخصيةِ، فيمنعُها منَ التواصلِ معَ الآخرينَ رغْمَ الضجيجِ الذي يملأُ المكانَ. إنَّها اغترابُ الرّوحِ في زحامِ الحياةِ، وظاهرةٌ صامتةٌ تتسللُ إلى عمقِ الذاتِ لتصنعَ فجوةً عميقةً بينَ الفردِ ومجتمعِهِ.
جذورُ العزلةِ: حِصارُ النشأةِ وقهرُ الطفولةِ
هذهِ العزلةُ الفتاكةُ لمْ تأتِ وليدةَ اليومِ، وإنَّما هيَ نِتاجُ تراكماتٍ عديدةٍ تمتدُّ منْ مَرحلةِ الطفولةِ وتنشئةِ الإنسانِ حتَّى مَرحلةِ النضجِ. وتتعددُ الأسبابُ الكامنةُ وراءَ هذا الانكفاءِ؛ ويأتي في مُقدّمتِها ( أسلوبُ التربيةِ القائمُ على القهرِ الدائمِ )
حينَ يعاني الطفلُ منْ كبتٍ مُستمرٍّ لمشاعرِهِ منْ قِبلِ الوالدَيْنِ، يَعجزُ عنِ الإفصاحِ عمَّا بداخلِهِ خوفًا منَ العقابِ. ويزدادُ الأمرُ تعقيدًا حينَ يُعاقَبُ الفردُ على تصرفاتٍ عاديةٍ قدْ يُكافَأُ عليها شقيقُهُ أوْ زميلُهُ؛ هذا التناقُضُ التربويُّ يَخلقُ خلطًا ذهنيًّا حادًّا بينَ الصوابِ والخطأِ، فيلجأُ الطفلُ ( كآليةِ دفاعٍ نفسيةٍ ) إلى الإحجامِ عنِ المبادرةِ وعزلِ نفسِهِ خوفًا منْ سوطِ العقابِ غيرِ المبررِ.
سياطُ التنمرِ وضريبةُ قلةِ التجارِبِ
وليسَ القهرُ الأسريُّ وحدَهُ المتهمَ في رَدْهاتِ العزلةِ؛ بلْ يلعبُ ( التنمرُ الاجتماعيُّ ) بمختلفِ أشكالِهِ دورًا مدمِّرًا. سواءً كانَ تنمرًا يرتبطُ بالشكلِ الخارجيِّ، أوْ بقِصَرِ القامةِ، أوْ بالخجلِ الشديدِ واحمِرارِ الوجهِ، أوْ حتَّى بتلعثمِ الحروفِ والارتجافِ في المواقفِ المواجهةِ. كلُّ هذهِ السياطِ اللفظيةِ تدفعُ الشخصَ إلى الانسحابِ التامِّ منْ أيِّ مَوقفٍ قدْ يَعرضُ عيوبَهُ أمامَ الآخرينَ أوْ أمامَ نقدِهِ الذاتيِّ اللاذعِ.
يُضافُ إلى ذلكَ (فقرُ التجارِبِ الحياتيةِ )؛ فالخوفُ منَ الفشلِ في اختبارِ المواجهةِ الأولِ معَ النّاسِ، والاعتقادُ المُسبقُ بالرسوبِ الاجتماعيِّ، يجعلُ الفردَ يَنطوي بأفكارِهِ، مُفضِّلًا الانسحابَ على الدخولِ في مَعاركَ حياتيةٍ قدْ تُظهرُ ضعفَهُ وقِلةَ حيلتِهِ.
حينَ تَنْفجرُ العزلةُ أمراضًا نفسيةً
مِنَ المنظورِ النفسيِّ، لا تقفُ العزلةُ عندَ حدودِ الانكفاءِ، بلْ هيَ التربةُ الخصبةُ لنشوءِ وتفاقمِ أخطرِ الاضطراباتِ النفسيةِ. ففرضُ الأسوارِ بينَ الذاتِ والآخرِ يَعوقُ الاندماجَ، ويَفتحُ البابَ على مِصراعَيْهِ لـمرضِ الوسواسِ القهريِ،. إذْ يَنبتُ في داخِلِ المريضِ صوتٌ داخليٌّ مُلحٌّ يُقنعُهُ بالفشلِ الحتميِّ، ويأمرُهُ بالابتعادِ. ومعَ تراكمِ هذهِ الأفكارِ الاجتراريةِ السوداويةِ، يَصلُ الشخصُ إلى طريقٍ مسدودٍ يَرى فيهِ أنْ لا جدوى منْ حياتِهِ، وقدْ تَتطورُ هذهِ الوساوسُ لتأخذَ طابعًا انتحاريًّا يَدفعُهُ لإيذاءِ نفسِهِ كإلقاءِ الجسدِ أمامَ حافلةٍ مُسرعةٍ أوْ منْ مُرتفَعٍ شاهقٍ.
وفي مَسارٍ أكثرَ خطورةً، قدْ تَقودُ العزلةُ الشديدةُ إلى مَشارفِ الفُصامِ أوِ الاضطراباتِ الذهانيةِ. حيثُ تَتفتتُ الذاتُ، ويَعيشُ المرءُ صراعًا بينَ بقايا طفولةٍ مقهورةٍ تُحبطُ أيَّ تقدمٍ، وشخصياتٍ وهميةٍ يَتخيلُها داخلَ عقلِهِ تَتهمُ العالمَ بأنَّهُ السببُ في ما آلَ إليهِ. وهناْ تَحدثُ التقلباتُ السلوكيةُ الحادةُ والمتباينةُ، ويَصلُ الأمرُ بالمريضِ إلى مَرحلةِ التحدثِ علنًا معَ نفسِهِ، عاجزًا عنِ التمييزِ بينَ الواقعِ والوهمِ.
خارطةُ طريقٍ نحوَ التعافي: كيفَ نَكسرُ الحصارَ؟
إنَّ علاجَ العزلةِ يبدأُ منْ ( مواجهةِ الذاتِ ) ورَفْضِ الاستماعِ لأصواتِ الفشلِ الداخليِّ. وتَتلخصُ خُطواتُ الإنقاذِ في المرتكزاتِ التاليةِ:
١-الاستشارةُ النفسيةُ المتخصصةُ:
توجيهُ الشخصِ إلى الطبيبِ أوِ المعالجِ النفسيِّ هوَ الخطوةُ الأساسُ لتفكيكِ العُقَدِ القديمةِ وإعادةِ بناءِ الثقةِ بالذاتِ.
٢-تطهيرُ البيئةِ الاجتماعيةِ:
إبعادُ الفردِ عنِ الأشخاصِ المحبطينَ والسامّينَ، وخلقُ مناخٍ إيجابيٍّ جديدٍ يَدعمُهُ ويُقدّرُ قيمتَهُ.
٣-المواجهةُ المتدرجةُ:
دَفْعُ الشخصِ لخوضِ التجارِبِ الاجتماعيةِ مَعَ عدمِ تركِهِ وحيدًا في البدايةِ، بلْ مُساندتُهُ ومراقبةُ سلوكِهِ عَنْ بُعدٍ لتأمينِ نجاحِ التجربةِ.
٤-الدعمُ اللفظيُّ والتحفيزُ:
تعزيزُ تقديرِهِ لذاتِهِ بعباراتِ الثناءِ والقوةِ، حتَّى وإنْ كانتْ نِسبُ نجاحِهِ الأوليَّةُ ضئيلةً.
٥-إحياءُ الشغفِ والمواهبِ:
إشغالُ وقتِ الفردِ بشكلٍ مُستمرٍّ عبرَ تشجيعِهِ على ممارسةِ مواهبَ ويومياتٍ يُحبُّها، والوقوفِ بجانبِهِ حتَّى يَرى ثمرةَ إنجازِهِ رأيَ العينِ.
واخيرا:
إنَّ العزلةَ سجنٌ نَصنعُ جُدرانَهُ بأيدينا أوْ بأيدي مَنْ حولَنا، وكسرُ قُضبانِ هذا السجنِ ليسَ مُستحيلًا؛ بلْ هوَ مَهمةٌ إنسانيةٌ وطبيةٌ تبدأُ بخطوةِ مواجهةٍ شجاعةٍ نحوِ الحياةِ.






