القيادة من وسط الصفوف:
الإنصات والرصانة في إدارة رسائل الأمن القومي
بقلم: أشرف عبد الحميد
شهدت جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن أعمال اليوم الثالث لـ «منتدى مصر 2026» مشهداً استراتيجياً وإنسانياً شديد الدلالة؛ تجلّت فيه ملامح الإدارة المؤسسية الحديثة والتواضع القيادي الرفيع.
فقد جلس سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ اللحظات الأولى للجلسة في مكانه بالصف الأول وسط الحضور كأحد أبناء هذا الوطن، يستمع بإنصات كامل، ويدوّن الملاحظات والوقائع الدقيقة لما ورد في كلمات المتحدثين الثلاثة (وزير الداخلية، ورئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، ووزير الخارجية والهجرة).
ولم يعتلِ سيادته المنصة الرسمية عند التعقيب، بل تحدث من موقعه بين الحضور، في تجسيد عملي لنهج «القيادة بالإنصات والمكاشفة المباشرة»؛ حيث استعرض ما قيل بدقة وموضوعية متناهية، موجهاً رسائل حازمة وحاسمة شملت الشأن الداخلي، والأمن الإقليمي، والملفات السيادية المباشرة.
أولاً: دلالة البقاء في الصف الأول.. تواضع القائد وتلاحم الدولة
إن حديث الرئيس من جلسته بين طوائف الشعب والمستشارين والمسؤولين يبعث برسائل سياسية ومؤسسية عميقة:
الاصطفاف الحقيقي لا الشكلي: إشارة واضحة إلى أن رئيس الدولة يقف في خندق واحد مع المواطن ومؤسسات الوطنية؛ فلا حواجز ولا معازل بروتوكولية حين يُدار نقاش أمن الوطن والمواطن.
الاحترام الأصيل للمؤسسات والمنصة: إعطاء المساحة الكاملة للمنصة والمتحدثين لإلقاء أوراقهم التنفيذية، وتفعيل دور الوزراء والقيادات الأمنية والدبلوماسية كمسؤولين مباشرين عن ملفاتهم أمام الشعب.
الاعتماد على الحقائق والبيانات: إن تدوين الرئيس للتفاصيل من جلسته يعكس ثقافة «الإدارة بالحقائق»؛ حيث تُبنى القرارات السيادية الكبرى على التمحيص والدراسة المستفيضة لمخرجات العمل المؤسسي.
ثانياً: أمن الداخل والمؤسسات.. حماية دولة لا حماية أفراد
في تعقيبه المباشر على ما عرضه وزير الداخلية بشأن التعافي الأمني والانتقال من مربع الفوضى وسرقة السيارات بعد 2011 إلى مربع السيطرة والاستقرار، صاغ الرئيس الفلسفة الحاكمة للأجهزة الأمنية والعسكرية:
الوعي الصلب كحائط صد: شدد الرئيس على أن الوعي القومي لـ 100 مليون مصري هو الحصن المنيع الذي يُفشل مخططات التشكيك واستهداف مؤسسات الوطن.
حياد المؤسسة الأمنية والعسكرية: أوضح الرئيس بكلمات قاطعة وحاسمة من موقعه:
«نحن لا نحمي نظاماً أو شخصاً.. بل نحمي دولة وشعباً واجه تحديات جسام».
ثالثاً: التفويض الدفاعي والتزام مصر تجاه المملكة العربية السعودية
تطرّق الرئيس بشرحٍ وافٍ وموضوعي للتحركات التشريعية والتنفيذية المتعلقة بالبعد الخليجي والأمن القومي العربي:
التزام مطلق ومباشر: وجه الرئيس رسالة حازمة للأشقاء تترجم العقيدة المصرية الراسخة في صون أمن الخليج العربي:
«طبقاً لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هننفذ أي إجراء لحمايتكم والدفاع عنكم».
الخطوات الدستورية والميدانية: كشف الرئيس عن دعوة مجلس النواب للجلسة الطارئة لحسم قرار التفويض الدستوري لإرسال قوات خارج الحدود، مشيراً إلى موافقة مجلس الدفاع الوطني على تقديم الدعم الدفاعي الشامل (دفاع جوي، رصد استباقي ومبكر، حرب إلكترونية، وتأمين بحري انطلاقاً من قاعدة برنيس الاستراتيجية لحماية الملاحة بالبحر الأحمر وقناة السويس).
رابعاً: سد النهضة والسودان.. حزم السيادة ورصانة الموقف
في تعقيبه الشفاف على فاتورة أحداث 2011 وانكشاف الدولة في تلك الفترة، وضع الرئيس ملفات المياه والجوار الإقليمي في نصابها الصحيح:
سد النهضة قضية وجودية: بيّن الرئيس أن الفراغ السياسي وغياب الدولة بين 2011 و2013 هما اللذان سمحا ببناء السد، مشدداً على أن الحلول السلمية لن تكون أبداً على حساب وجود مصر، والمطلب الثابت هو اتفاق قانوني ملزم وتأمين كامل لعدم المساس بالحصص المائية التاريخية.
العمق الاستراتيجي في السودان: أعلن صراحة أن مصر لن تسمح بانتهاك سيادة السودان أو تفكيك مؤسساته، مع الاستمرار في دعم هدنة إنسانية عاجلة وإنجاح جهود المبادرة الرباعية لإنهاء الحرب.
الخاتمة: رسالة قوة ورصانة إلى الداخل والخارج
إن طريقة إدارة الرئيس السيسي لجلسة «أمن الوطن والمواطن» — بدءاً من جلوسه في الصف الأول بين الحضور، وإنصاته وتدوينه الدقيق، ووصولاً إلى حديثه المباشر والحاسم من مكانه — تعكس مظهر الدولة القوية التي تتمتع بالتواضع، والرصانة، والشفافية. لقد أثبتت هذه الجلسة أن مصر تُدار بمؤسسات صلبة تحسب خطواتها بميزان الذهب، وتملك القوة والعزيمة لحماية مقدراتها وتأمين مواطنيها ودعم أشقائها.








