قال الفيلسوف إريك فروم: «أن تحب شخصا يعني أن تقبل إنسانيته كاملة لا أن تحبه فقط حين يحقق الصورة التي رسمتها له.»
وربما كانت واحدة من أكثر أزمات العلاقات الإنسانية أننا لم نعد نعرف الفرق بين أن نحب الإنسان وأن نحب ما فيه من صفات ومميزات. أصبحنا نضع الآخر تحت الاختبار ونقيس مدى صلاحيته للبقاء في حياتنا كما لو أننا نبحث عن إنسان بلا عيوب.
إن الإنسان أبسط حقوقه الإنسانية لدى الآخر أن يحبه لنفسه لا لما يملكه من مميزات ولا لما يستطيع أن يقدمه ولا لأنه مطالب دائما بأن يبرز أجمل ما فيه أو يثبت أنه من الأفضلية أو من أولئك الذين يطلق عليهم المتفردون حتى ينال نصيبه من المحبة.
كنت دوما أقول إن المحبة والود من طبيعة الأرواح وأن الأرواح ليست كالنفس.
فالنفس كثيرا ما تغذي العقل بمنطق المكاسب والمميزات لدى الآخر وتبدأ في عد وإحصاء كم لديه من المميزات النفسية والطباعية وكم رصيده من خبرة الحياة وكأنها تبحث عن ملائكة لا بشر.
ثم تبدأ في جس الآخر بالاختبارات الوهمية وتراقب ردود أفعاله وتبحث عن نقاط ضعفه وتضع له معايير حتى تكون النتيجة هي التي تحدد هل يستحق أن يكون له مكان أم أن يكون من المرفوضين.
أما الأرواح فإنها تتآلف لأنها تدرك أننا جميعا من طبيعة الجبلة البشرية وأن الإنسان بني آدم له ما له وعليه ما عليه.
الروح لا تحتاج إلى مؤامرات تحت بند الاختبارات ولا تجعل المحبة وسيلة للسيطرة ولا تطلب من الآخر أن يعيش طوال الوقت في حالة إثبات لاستحقاقه للحب.
الروح تبحث عن الأمان والصدق والسكينة.
وحين تحب الروح فإنها لا ترى الإنسان من خلال قائمة مميزاته وعيوبه وإنما تراه كإنسان كامل الإنسانية ناقص الكمال له ضعفه وتناقضاته وأخطاؤه كما له فضائله ومحاسنه.
وهنا يأتي الفرق بين أن تحب الإنسان وأن تحب ما يقدمه الإنسان.
أن تحبه لذاته لا يعني أن تقبل منه الأذى أو الظلم أو أن تتنازل عن حدودك وكرامتك وإنما يعني ألا تتحول عيوبه إلى مبرر لإهانته أو محاكمته أو سحب إنسانيتك منه.
فالمحبة الحقيقية لا تبحث عن إنسان كامل لأن الكمال ليس من طبيعة البشر وإنما تبحث عن إنسان تأمن إليه وتستطيع أن تكون معه على طبيعتك دون خوف من اختبار جديد أو حكم جديد.
فالروح حين تحب لا تجعل العلاقة قائمة على حسابات النفس وحدها ولا تسأل دائما ماذا سأحصل وماذا سيقدم لي الآخر وإنما تستطيع أن تتجاوز بعض حسابات المصلحة إلى معنى أرقى هو الإيثار والعطاء.
وهذا لا يعني أن المحبة تلغي الحدود أو تجعل الإنسان يقبل الأذى وإنما تعني أن الإنسان حين يحب بصدق لا يحول الآخر إلى قائمة من المميزات والعيوب ولا يجعل كل نقص فيه سببا لسحب محبته.
فالمحبة الناضجة تستطيع أن ترى الإنسان كما هو وأن تعرف أن له ما له وعليه ما عليه وأن تمنحه الأمان في إنسانيته دون أن تمنحه الحق في إيذائها.
وربما أجمل ما يمكن أن تمنحه لروح إنسان آخر أن يشعر بأنه ليس مطالبا كل يوم بأن يثبت أنه يستحق محبتك.
يكفي أن يكون إنسانا يحاول ويخطئ ويتعلم ويعود إلى نفسه كلما ابتعد عنها.
فهناك محبة تجعل الإنسان أكثر طمأنينة وأكثر رحمة وأكثر قدرة على العطاء.
وهناك علاقة تجعل الإنسان يعيش طوال الوقت تحت الاختبار خوفا من أن يفقد مكانه.
وبين الاثنين فرق كبير…
فالمحبة التي تمنح الأمان لا تطلب إنسانا كاملا وإنما تمنح الإنسان مساحة لأن يكون بشرا.
محبة الروح تذهب بنا إلى الفطرة وإلى المعنى الأول للإنسان وتمنحنا القدرة على اجتياز اختبار الدنيا وهو الاختبار الأهم.









