الكلمة التي لا تموت …
احتار الحرف أين يسكب وجعه
ولمن يبوح إذا تضيق دياره ؟
ولمن يمدّ على الخراب قصيدة
والصمت يدفن في التراب مناره ؟
ولدت حروف الحقّ في زمن شقيّ
تخشى الحقيقة أن تسمّي عاره
زمن إذا نطق الضمير تجهّمت
وجوهه واستنفرت أحجاره
وتحوّلت فيه العقول إلى دمى
تخفي الحقيقة كي يطول نهاره
لكنّ قلما في الزوايا أشرقت
منه الحروف وأيقظت أوتاره
جعل الحقيقة قبلة في دربه
وجعل من وجع الشعوب شعاره
ذنب القلم بأنّه متفرّد
لا يستعير من الخنوع قراره
وبأنّه يرى الجراح كأنّها
وطن ويقرأ في الدموع حواره
وبأنّه لا يستريح إذا رأى
حقّا يهان أو استبيح جواره
رأى العيون وقد تدرّبت العمى
ورأى الضمائر تستطيب دماره
ورأى الحقيقة في المزاد بضاعة
والزيف يرفع في المنابر ناره
ورأى الفقير يجرّ خبز عياله
والجوع يسرق من لياليه قراره
ورأى اليتيم يفتّش الأحضان في
زمن تكسّرت المودّة داره
فأتى إلى الورق الحزين كأنّه
جيش يجرّ إلى المعارك ثاره
وغمسته في الحبر حتى أشرقت
شمس المعاني واستفاق غباره
وانساب صوت الحرف من أعماقه
كالبرق يشقّ من الدجى أسواره
من ذا يردّ الشمس عن أفق المدى
أو يمنع التاريخ أن يروي مساره ؟
تقدّم ففي وجه الظلام رسالة
لا يستقيم الليل حتى يختاره
واكتب عن الأمّ التي أخفت أسى
كي لا يرى طفل صغير انكساره
واكتب عن العامل الذي أفنى الصبا
ويداه تبني للمدينة داره
واكتب عن الأحلام حين تباع في
سوق المصالح يستبيح تجّاره
واجعل من الكلمات جسرا للذي
ضاقت به سبل الحياة ومساره
واجعل من الحرف الجريح كرامة
تحيي النفوس ويستردّ وقاره
وامض ولو أنّ الطريق موحش
فالحقّ يعرف في النهاية داره
لا تستمدّ من التصفيق قوّتك
فالصوت يخبو والضمير مناره
ولا تنتظر أن يستريح زماننا
فالزمن لا يهدي الكريم انتصاره
قد يزرع الإنسان في عمر الأسى
حلما ويترك للغد الأخضر ثماره …
الكلمة التي لا تموت. بقلم : معز ماني








