ريشة في ساحة المعركة
للكاتبة الإعلامية ندين نبيل عبدالله أبو صالحه.
الجزء الرابع والستون “الدولاب لا يتوقف”.
مزقت الشهادة.
لكنني عندما مزقتها، سمعت صوتاً في المطبخ لم يكن صوتي.
كانت الطفلة.
لا… ليست ابنتهم.
طفلة أخرى.
عمرها ثلاث سنوات.
شعرها خفيف، وعيناها تائهتان.
نفس العينين التي رأيتهما في المرآة أول يوم في القصر.
ونفس الورقة الخضراء المطوية مرتين في يد المرأة.
سألتها وأنا أرتجف: “من هذه؟”
قالت المرأة وهي تضحك ببرود: “بنتنا الجديدة. أوراقها جاهزة مثل أوراقك. أنتِ انتهى دورك، صرتِ كبيرة وتسألين كثيراً. هذه صغيرة، لا تسأل.”
هنا فهمت.
لم يكن بيتي هو الأول.
ولم أكن أنا الأولى.
هذا ليس بيتاً.
هذا دولاب.
دولاب يدور منذ سنين.
يأخذون بنتاً بشهادة مزورة من بلد لبلد،
يجعلونها خادمة حتى تكبر ويصبح صوتها عالياً،
ثم يرمونها ويأتون بطفلة أخرى أصغر، لا تعرف اسمها الحقيقي بعد.
تاريخ يعيد نفسه كقطعة ملابس مسروقة لا يتخلصون منها، فقط يغيرون من يلبسها.
نظرت للطفلة ذات الثلاث سنوات.
كانت تمسك لعبة مكسورة وتنظر إلي كأنها تقول: “خذيني.”
تذكرت جملة أبو الجناح: “الناس وجوهها كثيرة مثل البصل.”
لكن هؤلاء لم يكونوا بصلاً.
هؤلاء كانوا تجاراً.
يتاجرون بالأسماء.
يغيرون شهادة الميلاد كما يغيرون فاتورة بيع،ويدفنون الحقيقة كما يدفنون جريمة.
في تلك الليلة لم أنم في غرفة الغسيل نمت بجانب الطفلة.
همست في أذنها:
“أنا لا أعرف اسمك الحقيقي، وأنتِ لا تعرفين اسمي الحقيقي، لكنني أعرف شيئاً واحداً: لن تكوني أنا القادمة.”
فتحت دفتري الصغير الذي كنت أكتب عليه على كرتونة الصابون، وكتبت:
“إلى من يقرأ:
إذا وجدتم هذه الورقة، فاعلموا أن في هذا البيت طفلة عمرها ثلاث سنوات تم نقلها من بلاد إلى بلاد بشهادة مزورة، كما فعلوا معي قبلها. الدولاب لا يتوقف إلا إذا كسره أحد. وأنا سأكسره.”
أخذت الطفلة في حضني.
وكانت أول مرة منذ سنين أشعر أن الهروب ليس لنفسي فقط.
ليس هروباً بلا وجه.بل هروب بوجهين. وجهي، ووجهها.
وفي الفجر، قبل أن تصحيني المرأة لتقول “قومي الأولاد تأخروا”،
فتحت باب البيت الكبير الذي بابه يلمع وقلبه بارد، ولم أغلقه ورائي
تركته مفتوحاً. ليدخل الهواء.
ولتخرج الحقيقة.
يتبع في العدد القادم ماذا جرى من احداث من هم ؟؟








