الحب حين يتحول إلى استغلال.. من الكلام الجميل إلى الأذى
تحقيق اجتماعي
تبدأ بعض العلاقات بكلمات تبدو وكأنها حلم: اهتمام زائد، رسائل لا تنقطع، ووعود بمستقبل جميل. يشعر الطرف الآخر أخيرًا بأنه وجد شخصًا يفهمه ويقدّره، فيمنحه ثقته ومشاعره، وربما يكشف له تفاصيل شخصية لم يكن مستعدًا لمشاركتها مع أحد.
لكن في بعض الحالات، لا يكون هذا الاهتمام حبًا حقيقيًا، وإنما وسيلة لبناء الثقة تمهيدًا للاستغلال.
من الاهتمام إلى السيطرة
الاستغلال العاطفي لا يبدأ عادةً بصورة واضحة. قد يبدأ بسؤال دائم عن تفاصيل اليوم، ثم يتحول تدريجيًا إلى رغبة في معرفة كل شيء، وبعدها تظهر عبارات مثل: “لو بتحبيني اعملي كذا” أو “إثبات حبك إنك تثقي فيا.”
ومع مرور الوقت، قد تتحول العلاقة من مساحة للمشاعر إلى مساحة للضغط والسيطرة، فيجد أحد الطرفين نفسه مطالبًا بالتنازل عن خصوصيته، أو أمواله، أو علاقاته بأسرته وأصدقائه، أو اتخاذ قرارات لا يريدها خوفًا من فقدان الطرف الآخر.
عندما تصبح الثقة نقطة ضعف
الثقة في حد ذاتها ليست خطأ، لكن المشكلة تبدأ عندما يستغل شخص هذه الثقة للحصول على معلومات خاصة أو صور أو تسجيلات أو أموال، ثم يستخدم ما حصل عليه للضغط والتهديد.
وفي العلاقات الرقمية تحديدًا، يمكن أن تتحول بعض التفاصيل التي أُرسلت بدافع الحب إلى وسيلة للابتزاز إذا وصلت إلى الشخص الخطأ.
وهنا تظهر خطورة الاعتقاد بأن: “هو بيحبني، مستحيل يؤذيني.”
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى تهديد، ولا يطلب إثباتًا على حساب كرامة الإنسان أو خصوصيته.
لماذا يصعب اكتشاف الاستغلال مبكرًا؟
لأن الشخص المستغل لا يقدم نفسه في البداية باعتباره شخصًا مؤذيًا.
قد يكون لطيفًا، مهتمًا، حاضرًا في أصعب الأوقات، ويعرف كيف يقول الكلمات التي يحتاج الطرف الآخر إلى سماعها. ومع زيادة التعلق، يصبح اكتشاف السلوك المؤذي أكثر صعوبة، خصوصًا عندما يبدأ الشخص في تبرير تصرفات الطرف الآخر خوفًا من خسارة العلاقة.
لكن هناك علامات تستحق الانتباه:
الضغط المستمر، الغيرة المبالغ فيها، العزل عن الأصدقاء والأسرة، طلب المال بشكل متكرر، انتهاك الخصوصية، التهديد، أو استخدام الأسرار لإجبار الطرف الآخر على تنفيذ ما لا يريده.
هذه السلوكيات لا تصبح مقبولة لمجرد وجود مشاعر.
ليست المشكلة في الحب
من الخطأ أن تتحول هذه الحالات إلى اتهام للحب نفسه أو إلى تعميم على كل العلاقات.
هناك علاقات تقوم على الاحترام والوضوح والمسؤولية، ويعرف فيها الطرفان أن الحب لا يعني امتلاك الآخر.
المشكلة ليست في أن الإنسان أحب، وإنما في أن شخصًا آخر اختار استغلال مشاعره وثقته.
الوعي خط الدفاع الأول
التوعية لا تعني أن نعيش في خوف من العلاقات، لكنها تعني أن نعرف حدودنا وحقوقنا.
لا تمنح ثقتك الكاملة لمجرد الكلمات الجميلة.
لا ترسل محتوى خاصًا قد يُستخدم ضدك مستقبلًا.
لا تقبل التهديد تحت أي مسمى.
ولا تعتبر الابتزاز أو الإهانة أو السيطرة دليلًا على الحب.
وإذا تحولت العلاقة إلى تهديد أو ابتزاز، فطلب المساعدة من شخص موثوق أو جهة مختصة أفضل من مواجهة الأمر بمفردك.
في النهاية…
الحب الذي يحتاج إلى خوف كي يستمر، ليس علاقة آمنة.
والشخص الذي يحبك حقًا لا يجعلك تدفع ثمن مشاعرك من كرامتك أو خصوصيتك أو أمانك.
لأن أجمل العلاقات ليست التي تبدأ بأكثر الكلمات تأثيرًا، بل التي تستمر بالاحترام، وتحفظ للإنسان حقه في أن يكون آمنًا حتى وهو يحب.
بقلم الكاتبة/ دعاء شعبان








