صدى مصرمقالاتمنوعات

بين زلزالين… ما لا تقوله درجات ريختر

 

بين زلزالين… ما لا تقوله درجات ريختر

 

بقلم: أ / هبة شاهين -الإسكندرية

ليست كل الحقائق تُقاس بالأرقام، ولا كل الرسائل تُقرأ على أجهزة الرصد.

عندما شعر المصريون باهتزاز الأرض، عاد إلى الأذهان فورًا زلزال عام 1992، ذلك اليوم الذي دوّنته الذاكرة الوطنية بوصفه واحدًا من أكثر الأيام إيلامًا؛ زلزال بلغت قوته نحو 5.8 درجة، لكنه خلّف مئات الضحايا، وآلاف المصابين، وعشرات الآلاف من الأسر التي فقدت مأواها، وآلاف المباني التي انهارت أو تضررت.

واليوم، تقترب القوة الزلزالية من ذلك الرقم، لكن المشهد يبدو مختلفًا. صحيح أن مقارنة الزلازل لا تقوم على القوة وحدها، فهناك عوامل علمية عديدة تحدد حجم التأثير، مثل عمق الزلزال، وموقعه، وطبيعة التربة، وكثافة العمران، وجودة المباني، والاستعداد للتعامل مع الطوارئ. لكن، بعد الاعتراف بكل تلك الأسباب، يبقى سؤال لا يستطيع العلم أن يجيب عنه وحده:

كم من بلاء صرفه الله عنا ولم نره؟

إن الإنسان اعتاد أن يحصي النعم الظاهرة، لكنه نادرًا ما يتأمل النعم الخفية؛ تلك التي تتمثل في مصيبة لم تقع، أو خطر مرّ قريبًا ثم انصرف، أو كارثة كان يمكن أن تكون أكبر بكثير مما حدث.

ولذلك فإن أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من مثل هذه اللحظات هو ألا نختزلها في خبر عاجل أو رقم على مقياس ريختر، بل أن نقرأها باعتبارها رسالة توقظ القلب قبل أن تشغل العقل.

قال تعالى:

﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.

ليس التخويف هنا دعوة إلى الفزع، وإنما إلى اليقظة. أن يستيقظ الضمير بعد طول غفلة، وأن يدرك الإنسان أن الأمن الذي يعيشه كل يوم ليس أمرًا مضمونًا، بل نعمة عظيمة تتجدد في كل لحظة.

ولعل من أجمل صور لطف الله أن يذكّر عباده بقدرته، ثم يكتب لهم السلامة. يهتز كل شيء للحظات، ثم يعود الهدوء، وكأن الرسالة وصلت دون أن تتحول إلى مأساة.

غير أن الشكر الحقيقي لا يكون بكلمات تُقال ثم تُنسى، وإنما بوعيٍ يتجدد. وعيٌ يحترم العلم، ويأخذ بالأسباب، ويلتزم بتعليمات السلامة، ويُحسن البناء والتخطيط، وفي الوقت نفسه لا يغفل عن أن الأسباب وحدها لا تصنع النجاة، كما أن التوكل لا يعني تركها.

لقد كان زلزال اليوم

تذكيرًا بأن الإنسان، مهما بلغ من قوة، يظل أضعف من أن يثبت الأرض إذا أراد الله لها أن تضطرب.

وكان تذكيرًا أيضًا بأن هذا الوطن يعيش كل يوم في نعم لا تُحصى، وأن من أعظم هذه النعم أن يحفظ الله أهله، ويصرف عنهم من البلاء ما لا يعلمونه.

فالحمد لله على نعمة الأمن إذا حضر، والحمد لله على لطفه إذا اقترب البلاء ثم انصرف، والحمد لله على سترٍ لا ندرك حجمه إلا عندما ننظر إلى ما كان يمكن أن يحدث… ولم يحدث.

فليكن هذا اليوم مناسبة للشكر أكثر من الخوف، وللمراجعة أكثر من الجدل، ولليقين بأن الأوطان لا تُحفظ بالقوة وحدها، بل بتوفيق الله، ثم بوعي أبنائها، وإتقان أعمالهم، وحسن أخذهم بالأسباب.

زر الذهاب إلى الأعلى