قرطبة قبل الخلافة. كيف تحولت الإمارة الأموية
من دولة نجت من الانهيار إلى مشروع حضارة؟
بقلم / محمد مصطفى كامل
كيف تحولت الإمارة الأموية إلي دولة؟. ليست أصعب اللحظات في تاريخ الدول هي لحظة تأسيسها. بل اللحظة التي يغيب فيها المؤسس.
فقد يستطيع رجل استثنائي أن يبني دولة، لكن التاريخ لا يحكم على نجاحه إلا بعد رحيله. فإن انهارت دولته، قيل إنه كان بطلًا صنع مجدًا مؤقتًا. وإن بقيت، قيل إنه لم يؤسس حكمًا لرجل، بل بنى دولةً للأجيال.
وهكذا كان حال الأندلس بعد وفاة عبد الرحمن الداخل. فالرجل الذي دخلها مطاردًا خرج من الدنيا بعدما صنع أقوى دولة في غرب العالم الإسلامي.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن كيف بنى الداخل الدولة؟ بل كان هل تستطيع هذه الدولة أن تعيش بعده؟
لقد كان ذلك هو الامتحان الذي أسقط إمبراطوريات كثيرة عبر التاريخ. أما الأندلس. فكانت على موعد مع امتحان آخر. امتحان سيحول إمارةً نجت من السقوط إلى حضارة تستعد لمنافسة بغداد نفسها.
قرطبة قبل الخلافة. كيف تحولت الإمارة الأموية من دولة نجت من الانهيار إلى مشروع حضارة؟
حين توفي عبد الرحمن الداخل سنة 172 للهجرة، لم يكن يترك وراءه دولة هادئة كما قد يتصور البعض.
صحيح أنه نجح في توحيد معظم الأندلس، وأخضع كبار خصومه، وأقام عاصمة قوية في قرطبة، لكنه كان يعلم أن أخطر المعارك لم تبدأ بعد.
فالدول التي تنشأ في أوقات الاضطراب تبقى معرضة للاهتزاز عند أول انتقال للسلطة. ولهذا، كانت أنظار الجميع تتجه إلى وريثه هشام الأول.
هل سيحافظ على ما بناه والده؟ أم ستعود الأندلس إلى زمن الانقسامات؟
ولعل أول ما يلفت النظر في عهد هشام أنه لم يحاول أن يكون نسخة من أبيه. فالداخل كان رجل التأسيس. أما هشام، فكان رجل التثبيت.
أدرك أن الدولة لا تستطيع أن تعيش طويلًا وهي تتحرك من معركة إلى أخرى، لذلك اتجه إلى بناء المؤسسات التي تجعل الحكم مستقرًا حتى في غياب القائد الاستثنائي.
فأعاد تنظيم الإدارة، وقوّى دواوين الدولة، وحرص على اختيار الولاة بعناية، وربط الأقاليم بقرطبة ربطًا إداريًا وسياسيًا أكثر إحكامًا، حتى بدأت سلطة العاصمة تمتد إلى مختلف أنحاء الأندلس بصورة لم تعرفها من قبل.
وفي الوقت نفسه، أولى القضاء عناية خاصة، لأن الدول لا يحميها الجيش وحده، وإنما يحميها أيضًا شعور الناس بوجود عدالة تحتكم إليها الخصومات.
وفي عهده، ازداد نفوذ الفقه المالكي في الأندلس، وأصبح أحد أهم العوامل التي أسهمت في توحيد الحياة القضائية والاجتماعية، بعد أن كانت الأقاليم تتأثر باجتهادات ومدارس متعددة.
ولم يكن ذلك مجرد اختيار فقهي. بل كان خطوة سياسية أيضًا. فكلما توحد المرجع القضائي، ازداد تماسك الدولة، وقلت أسباب النزاع بين الأقاليم.
لكن هشام لم يغفل الحدود. ففي الشمال، كانت الممالك النصرانية تراقب كل تغير يحدث في قرطبة، وتنتظر أن يؤدي انتقال الحكم إلى إضعاف الدولة. إلا أن الأمير الجديد لم يمنحها هذه الفرصة.
فواصل الحملات العسكرية على الثغور، وحافظ على قوة الجيش، لتصل رسالة واضحة إلى الجميع، لقد مات المؤسس،٠ لكن الدولة ما زالت حية. وكان لهذه السياسة أثر كبير.
فقد مرت سنوات حكمه دون أن تشهد الإمارة ذلك الانهيار الذي أصاب كثيرًا من الدول بعد وفاة مؤسسيها. غير أن القدر لم يمهله طويلًا. فبعد سنوات قليلة، توفي هشام الأول، وانتقل الحكم إلى ابنه الحكم الأول.
وهنا بدأت الأندلس تدخل أصعب اختبار عرفته منذ أيام عبد الرحمن الداخل. اختبار لن يكون على الحدود. بل في قلب قرطبة نفسها. لم يكن الحكم الأول يرث عرشًا مضطربًا فحسب. بل كان يرث دولةً بدأت تكبر بسرعة، ومع كل خطوة إلى الأمام، كانت التحديات تزداد تعقيدًا.
فقد أصبحت قرطبة عاصمةً قوية، واتسعت موارد الدولة، ونمت المدن، وازدهرت التجارة، لكن هذا النمو لم يكن يعني أن الجميع راضٍ عن السلطة. بل على العكس.
فكلما ازدادت هيبة الدولة، ظهر من يرى أن نفوذه القديم يتراجع، وأن قرطبة أصبحت تتدخل في شؤون الأقاليم أكثر مما كانت تفعل في عهد الفتح.
وهكذا، لم يعد الصراع في الأندلس مجرد مواجهة مع الأعداء على الحدود. بل أصبح أيضًا صراعًا بين الدولة المركزية التي تريد توحيد البلاد، وبين قوى محلية اعتادت قدرًا كبيرًا من الاستقلال.
وكان الحكم الأول يدرك أن أخطر ما يهدد الدول ليس العدو الذي يقف خارج أسوارها،بل الانقسام الذي ينشأ داخلها. ولهذا، اتجه إلى تقوية سلطة الإمارة، وإعادة فرض هيبة القانون في مختلف الأقاليم.
لكن الطريق لم يكن سهلًا. ففي طليطلة، المدينة التي اشتهرت بروحها المتمردة منذ بدايات الفتح الإسلامي، تكررت الاضطرابات، واضطر الأمير إلى إرسال الحملات لإعادة النظام، لأن فقدان السيطرة على مدينة بهذا الثقل كان يعني فتح الباب أمام تمردات أخرى.
وفي سرقسطة، بقيت المنافسات بين الزعامات المحلية تمثل تحديًا دائمًا لسلطة قرطبة، بينما كانت بعض المناطق الجبلية تستفيد من طبيعتها الوعرة لتقاوم نفوذ الدولة.
غير أن الحدث الذي طبع عهد الحكم الأول بطابعه الخاص كان ثورة الربض سنة 202هـ/818م. ولم تكن هذه الثورة مجرد احتجاج عابر، كما تُصوِّرها بعض الروايات المختصرة. بل كانت نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية، اشتركت فيها فئات مختلفة من سكان قرطبة، حتى انفجرت الأوضاع في أحد أكبر أحياء المدينة، المعروف بـ”ربض شقندة”.
ورأى الحكم الأول أن التساهل مع هذه الثورة قد يقود إلى انهيار هيبة الدولة التي بناها الداخل بجهدٍ شاق. فتعامل معها بحزم شديد، وانتهت الثورة بالقضاء عليها، ثم أمر بإخلاء الربض، ورحّل عددًا كبيرًا من سكانه. وكان لهذا القرار أثر بالغ في تاريخ الأندلس.
فقد اتجه بعض أولئك المهاجرين إلى فاس في المغرب، وأسهموا في ازدهارها، بينما واصل آخرون رحلتهم حتى استقروا في جزيرة كريت، حيث أسسوا إمارة إسلامية استمرت أكثر من قرن، في واحدة من أكثر النتائج التاريخية إثارة، إذ تحولت أزمة داخلية في قرطبة إلى حدث ترك أثره في غرب البحر المتوسط كله.
ومع أن سياسة الحكم الأول كانت قاسية في نظر كثير من المؤرخين، فإنها حققت هدفًا مهمًا من منظور الدولة. فقد استعادت قرطبة هيبتها، وأصبح واضحًا أن الإمارة لم تعد كيانًا هشًا يمكن إسقاطه بثورة داخلية. لكن الحكم الأول لم يكتفِ بإخماد الفتن. فقد أدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها.
لذلك واصل دعم التجارة، وتأمين الطرق، والعناية بالزراعة، التي كانت عماد الاقتصاد الأندلسي. فشهدت الأندلس توسعًا في شبكات الري، وتحسنًا في استغلال الأراضي الزراعية، وازدادت زراعة الزيتون والكروم والحمضيات والحبوب، كما ازدهرت الصناعات اليدوية، خاصة النسيج وصناعة المعادن والجلود.
ومع نمو الإنتاج، نشطت التجارة مع بلاد المغرب، وبلاد الفرنجة، وموانئ البحر المتوسط، وأصبحت قرطبة تستقبل السلع كما تصدر منتجاتها إلى أنحاء مختلفة من العالم.
وكان هذا الازدهار الاقتصادي يمد الدولة بالموارد التي تحتاجها لبناء جيش قوي، وإدارة مستقرة، ومؤسسات قادرة على الاستمرار.
وهكذا. ورغم ما شهده عهد الحكم الأول من اضطرابات، فإنه لم يكن عصر تراجع. بل كان مرحلة صعبة خرجت منها الدولة أكثر صلابة، وأكثر قدرة على فرض سلطانها.
لقد كان الداخل قد أسس الدولة. وجاء هشام ليُثبتها. أما الحكم الأول. فقد علّم الجميع أن هذه الدولة قادرة على الدفاع عن نفسها، مهما اشتدت العواصف.
لكن الأندلس لم تكن قد بلغت ذروة مجدها بعد. فبعد سنوات من تثبيت أركان الحكم، سيجلس على عرش قرطبة أمير سيغيّر وجه الإمارة تغييرًا جذريًا. أمير لن يكتفي بحماية الدولة. بل سيبدأ في صناعة الحضارة.
ذلك هو عبد الرحمن الأوسط. لم يكن عبد الرحمن الأوسط يرث دولةً على وشك الانهيار. بل كان يرث دولةً تجاوزت أخطر مراحلها. فقد أسس عبد الرحمن الداخل الإمارة، وحماها من السقوط.
وثبّت هشام الأول أركانها، وربط أقاليمها بإدارة قوية. وأعاد الحكم الأول للدولة هيبتها بعد أن واجه أخطر التمردات الداخلية.
وحين وصل عبد الرحمن الأوسط إلى الحكم سنة 206هـ/822م، كان أمامه تحدٍ مختلف تمامًا. لم يعد السؤال كيف نحافظ على الدولة؟ بل أصبح كيف نجعل هذه الدولة واحدةً من أعظم دول العالم؟
وهنا بدأت قرطبة تتغير. تغيرًا لم يكن سببه انتصارًا عسكريًا، ولا فتحًا جديدًا، بل رؤية حضارية بعيدة المدى.
فقد أدرك عبد الرحمن الأوسط أن ازدهار الأمم لا يُقاس بعدد القلاع التي تبنيها، بل بعدد العقول التي تحتضنها، وبما تملكه من اقتصاد قوي، وإدارة كفؤة، ومدن عامرة.
ولهذا، اتجه إلى إعادة تنظيم أجهزة الدولة، وتطوير الدواوين، وتحسين نظام جباية الأموال، وتقوية الجيش والأسطول، لأن موقع الأندلس على البحر المتوسط جعل القوة البحرية ضرورة لا رفاهية.
وفي عهده، توسعت قرطبة توسعًا ملحوظًا. فشُقت الشوارع، وأقيمت الجسور، وازدادت الأسواق، ونمت الأحياء الجديدة، وتحولت المدينة إلى مركز يجذب التجار من المشرق والمغرب، حتى بدأت تنافس كبريات مدن العالم في النشاط الاقتصادي.
ولم يكن ازدهارها قائمًا على التجارة وحدها. فقد شهدت الأندلس نهضة زراعية كبيرة بفضل تطوير وسائل الري، واستصلاح الأراضي، وإدخال محاصيل جديدة جاءت من المشرق، مما جعلها واحدة من أكثر أقاليم العالم الإسلامي إنتاجًا.
كما ازدهرت الصناعات، ولا سيما صناعة المنسوجات، والجلود، والمعادن، والزجاج، والسلاح، حتى أصبحت المنتجات الأندلسية مطلوبة في أسواق البحر المتوسط.
لكن التحول الأكبر لم يكن في الأسواق. بل في الحياة الثقافية. ففي عهد عبد الرحمن الأوسط، قدم إلى قرطبة رجل سيترك أثرًا تجاوز حدود الموسيقى، حتى أصبح اسمه رمزًا لنهضة اجتماعية وثقافية كاملة. إنه زرياب.
ولم يكن زرياب مجرد موسيقي بارع، كما يختصره بعض الناس. بل كان صاحب ذوق رفيع، ومجددًا في أساليب التعليم، واللباس، وآداب الطعام، وفنون الغناء، بل وحتى في أنماط الحياة اليومية.
ومع قدومه، أصبحت قرطبة أكثر اتصالًا بالحياة الثقافية في المشرق، وانتقلت إليها مؤثرات جديدة امتزجت بالبيئة الأندلسية، لتولد شخصية حضارية متميزة، لا هي صورة مكررة من بغداد، ولا امتداد خالص لأوروبا، بل حضارة أندلسية ذات طابع خاص.
وفي الوقت نفسه، ازداد اهتمام الأمراء بالعلم والفقه واللغة، وبدأت المكتبات الخاصة والعامة في الظهور، وأخذ العلماء يفدون إلى الأندلس، كما أخذ أبناء الأندلس يرحلون إلى المشرق طلبًا للعلم، ثم يعودون بما تعلموه، لتزداد الصلة الفكرية بين جناحي العالم الإسلامي.
وهكذا كانت بغداد في المشرق تقود العالم في حركة الترجمة والعلوم العقلية.
وفي المقابل، كانت قرطبة في الغرب تبني نموذجًا حضاريًا متكاملًا، يجمع بين الإدارة القوية، والاقتصاد المزدهر، والعمران الراقي، والحياة الثقافية النابضة.
ولم يكن بين العاصمتين عداء مباشر. بل كان بينهما تنافس حضاري، أسهم في إثراء العالم الإسلامي كله.
لقد أصبحت قرطبة مدينةً يُضرب بها المثل في النظام والنظافة، واتساع الأسواق، وجمال العمارة، وازدهار الحرف، حتى بدأ الرحالة والتجار ينقلون أخبارها إلى أنحاء العالم.
وكان كل أمير أموي يضيف لبنةً جديدة إلى هذا البناء الكبير، دون أن يعلم أن حفيده بعد عقود قليلة سيضع التاج فوق هذا الصرح.
ذلك الحفيد. هو عبد الرحمن الناصر لدين الله. الرجل الذي سينظر إلى ما حققه أسلافه، ثم يدرك أن الإمارة قد كبرت حتى أصبحت أوسع من لقب أمير.
وأن قرطبة، التي بدأت ملجأً لأميرٍ هارب، أصبحت تملك من القوة والثراء والاستقرار ما يؤهلها لأن تعلن نفسها خلافة، تقف جنبًا إلى جنب مع الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية التي بدأت تظهر في شمال أفريقيا.
ومن هنا لا يبدأ فصل جديد في تاريخ الأندلس فحسب. بل يبدأ فصل جديد في تاريخ العالم الإسلامي كله. وفي المقال القادم… عبد الرحمن الناصر لدين الله
الرجل الذي أعلن الخلافة من جديد. وجعل قرطبة تنافس بغداد على زعامة العالم الإسلامي







