مقالات

بين فرحة الملاعب وفرحة اللجان… عندما يتحول العادي إلى إنجاز استثنائي

بين فرحة الملاعب وفرحة اللجان... عندما يتحول العادي إلى إنجاز استثنائي

بين فرحة الملاعب وفرحة اللجان… عندما يتحول العادي إلى إنجاز استثنائي

بقلم: محمود سعيد برغش

 

في الأيام الأخيرة، تابعنا مشهدين تصدرا مواقع التواصل الاجتماعي وأثارا حالة كبيرة من الجدل. الأول كان الاحتفالات الواسعة بوصول أحد المنتخبات المصرية إلى دور الـ16، والثاني كان احتفالات طلاب الثانوية العامة عقب انتهاء آخر أيام الامتحانات، وما صاحبها من رقص وصخب أمام اللجان.

 

ورغم اختلاف الحدثين، فإن بينهما قاسمًا مشتركًا، وهو المبالغة في الاحتفال، حتى بدا وكأننا نحتفل بإنجازات استثنائية، بينما الحقيقة أن كلاً منهما لا يزال مجرد محطة في طريق طويل.

 

في الرياضة، لا أحد ينكر حق اللاعبين في التقدير، ولا ينكر الجهد الذي بُذل للوصول إلى دور الـ16، لكن هل أصبح مجرد التأهل إلى هذا الدور بطولة تستحق كل هذا الزخم الإعلامي والاستقبالات والاحتفالات؟ الدول التي تصنع المجد الرياضي لا تعتبر الوصول إلى الأدوار الإقصائية نهاية الحلم، بل بداية المنافسة الحقيقية على اللقب. أما أن نصنع من كل خطوة عادية إنجازًا تاريخيًا، فهذا يرسخ ثقافة الاكتفاء بالقليل ويخفض سقف الطموح.

 

وفي المقابل، رأينا طلاب الثانوية العامة يحتفلون بانتهاء الامتحانات، وهو أمر مفهوم بعد شهور طويلة من الضغوط النفسية والدراسة. فالفرحة حق، ولا أحد يستطيع أن يلوم طالبًا شعر بالراحة بعد انتهاء مرحلة صعبة من حياته.

 

لكن المشكلة ليست في الفرح، بل في الطريقة. فما شاهدناه في بعض المقاطع من رقص وصخب وتعطيل للحركة وتجاوزات لا يعبر عن قيمة العلم ولا عن صورة الطالب المصري، خاصة عندما يتحول الأمر إلى استعراض من أجل مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن الهدف هو صناعة “ترند” لا الاحتفال بانتهاء الامتحانات.

 

المجتمعات الناجحة تعرف كيف تفرح، لكنها أيضًا تعرف متى تفرح، وبأي قدر تفرح. فالاحتفال لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الإنجاز، ولا أن يتحول إلى وسيلة لتضخيم أحداث كان يجب أن نتعامل معها باعتبارها خطوات طبيعية في طريق النجاح.

 

نحن لسنا ضد الفرحة، ولسنا ضد تشجيع الرياضيين أو إسعاد الطلاب، لكننا ضد ثقافة المبالغة التي تجعل الوصول إلى دور الـ16 بطولة، وتجعل انتهاء الامتحانات مهرجانًا صاخبًا. فالأمم تتقدم عندما ترفع سقف طموحاتها، وتفرح بما يوازي حجم الإنجاز، لا بما يسبق الإنجاز.

 

فلنحتفل… ولكن عندما نعتلي منصات التتويج، وعندما نحقق بطولات تليق باسم مصر، وعندما يحصد أبناؤنا ثمار تعبهم بالنجاح والتفوق، لا بمجرد انتهاء الامتحانات أو تجاوز مرحلة من بطولة. فالأمل الحقيقي لا يصنعه التصفيق، وإنما يصنعه العمل، والطموح، والإصرار على أن يكون القادم أفضل دائمًا.

زر الذهاب إلى الأعلى