الدين و الحياةمقالات

صبر الخنساء علي الحياة. بقلم / محمـــد الدكـــروري

صبر الخنساء علي الحياة

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ينشدون الشعر أمامه فيستمع إليهم مبتسما، من هذا ما يرويه جابر ابن سمرة رضي الله عنه فيقول “جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر أمامه ويتذاكرون أشياء من الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم معهم” وكانت الحنساء شاعرة وكان يعجب بشعرها النبي صلي الله عليه وسلم، وقد رفضت الخنساء الزواج من دريد بن الصمة، سيد بني جشم، بعد أن طلبها من صديقه وأخيها معاوية، وقد عرف فيها أباها رجاحة العقل واتزان الفكر، ولهذا فلم يعارض على رفضها، ولم يكن ذلك حقا لكل ابنة، وإنما هو خصيصة تمنح لمثيلات الخنساء، وتزوجت من رواحة بن عبدالعزى الذي كان مقامرا، وقد ضحت في سبيل الحفاظ عليه بالكثير من طبيعتها وكبريائها.

كي تجعله يتعلق بها، غير أنه غالى في انحرافه واستغل حرصها عليه أسوأ استغلال، وانتهز مالها ومال أخيها، حيث كانت تذهب لأخيها صخرا تشكو أليه حالها وماتلقى من ضيق العيش، فيشطر صخر ماله نصفين يعطيها خيرهما، حتى انفصلت في النهاية عن عبدالعزى ولها منه ابن اسمه عبدالله، ولم يطل المطال بالخنساء حتى تقدم اليها مرداس بن أبي عامر السلمي، الملقب بالفيض لسخائه، وكان مرداس بالإضافة لكرمه، رجلا جد وعمل لايترك فرصة ألا ويقتنصها ليوفر لأسرته أسباب الحياة الكريمة، حتى مات في أحدى مغامراته تاركا للخنساء أربع أبناء هم العباس وزيد ومعاوية وبنت اسمها عمرة، وقد رثت الخنساء زوجها مرداس لتفصح عن مدى الأسى والحزن لفراقه.

حيث كان مرداس في رأيها أفضل الناس حلما ومروءة وشجاعة، وعندما قتل هاشم ودريد ابنا حرملة أخاها معاوية فقامت بتحريض أخيها الأصغر صخر بالثأر، واستطاع أخوها قتل دريد انتقاما لأخيه ولكنه أصيب بطعنة أسكنته فراشه، ومرض بسببها وباتت حياته مملة، حتى أن زوجته حينما سؤلت عنه أجابت بأنه لا حي فيرجى ولا ميت فينعى، ومكث صخر في مرضه حتى مات بعد ثلاث سنوات من مرضه هذا فانهارت الخنساء اثر موته واقامت على قبره زمانا تبكيه وتندبه وترثيه وقد قيل بأن الخنساء رثت صخرا أكثر من معاوية، ولكن في حقيقة الأمر بأن رثاءها لمعاوية لم يكن قليلا، غير أنه اذا ما قورن برثائها لصخر بدا قليلا، وذلك بسبب حبها وتعلقها الشديد بصخر، ويُروى أنها دخلت على أم المؤمنين.

السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تلبس صدارا من شعر الحيوان يغطي عنقها إلى سرتها، كان الجاهليون يلبسون هذا الصدار حدادا على الأموات، فقالت لها أم المؤمنين السيدة عائشة ماهذا يا خنساء؟ أما علمتي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؟ أجابتها الخنساء والله لم أعلم يا أم المؤمنين ولكن لهذا الصدار قصة دعتني إلى لبسه، فقالت حدثيني بهذه القصة، قالت الخنساء زوجني أبي لسيد قومه وكان رجلا مبذرا أسرف في ماله حتى أنفذه، فأتيت أخي صخرا استعينه، فقسم ماله شطرين وأعطاني أحسن الشطرين، ولكن زوجي عاد إلى إسرافه وتبذيره حتى أذهب المال، فقسم صخر ماله مرة ثانية وأعطاني أحسنه، فقالت له زوجته مغتاظة أما ترضى أن تعطيها النصف حتى تعطيها الخيار.

فأجابها والله لا أمنحها شرارها، وهي التي أرحض عني عارها ولو هلكت خرقت خمارها، واتخذت من شعر صدارها، ومنذ ذلك الوقت آلت الخنساء ألا يفارق الصدار جسدها ما بقيت وفاء منها من ذكرى أخيها، الذي قاسمها ماله مرتين.

زر الذهاب إلى الأعلى