بَيْنَ الحُبِّ وَالتَّمَلُّكِ.. مَتَى يَتَحَوَّلُ العِشْقُ إِلَى سِجْنٍ؟
كتبت/ دعاء شعبان
لَيْسَ كُلُّ مَا ~يُسَمَّى حُبًّا يَسْتَحِقُّ هٰذَا الِاسْمَ.
فَالْحُبُّ الَّذِي يَمْنَحُ صَاحِبَهُ الطُّمَأْنِينَةَ، قَدْ يَتَحَوَّلُ فِي لَحْظَةٍ إِلَى قَيْدٍ، وَالْعِشْقُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالِاهْتِمَامِ قَدْ يَنْتَهِي بِالسَّيْطَرَةِ، وَبَيْنَ الْمَشَاعِرِ الصَّادِقَةِ وَرَغْبَةِ~ الِامْتِلَاكِ، تُوجَدُ مَسَاحَةٌ خَطِيرَةٌ يَخْتَلِطُ فِيهَا الْحُبُّ بِالْخَوْفِ، وَالْغَيْرَةُ بِالشَّكِّ، وَالِاحْتِوَاءُ بِالْهَيْمَنَةِ.
فِي الْبِدَايَةِ، تَبْدُو الْأُمُورُ طَبِيعِيَّةً…
“أَنَا أَغَارُ عَلَيْكَ لِأَنَّنِي أُحِبُّكَ.”
“لَا أُرِيدُكَ أَنْ تَتَحَدَّثَ مَعَ هٰذَا الشَّخْصِ.”
“أَخْبِرْنِي أَيْنَ أَنْتَ وَمَعَ مَنْ.”
عِبَارَاتٌ قَدْ يَرَاهَا الْبَعْضُ دَلِيلًا عَلَى الِاهْتِمَامِ، بَيْنَمَا يَرَاهَا آخَرُونَ بَدَايَةً لِسَلْبِ الْحُرِّيَّةِ تَحْتَ شِعَارِ الْحُبِّ.
وَمَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، تَتَغَيَّرُ مَلَامِحُ الْعَلَاقَةِ. يَصْبِحُ الْهَاتِفُ تَحْتَ الْمُرَاقَبَةِ، وَالْخُصُوصِيَّةُ تُهْمَةً، وَالِاخْتِلَافُ جَرِيمَةً، وَتَتَحَوَّلُ الْمَشَاعِرُ الْجَمِيلَةُ إِلَى تَحْقِيقٍ دَائِمٍ، وَكَأَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ يَمْلِكُ حَقَّ الْوِصَايَةِ عَلَى الْآخَرِ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ:
هَلِ الْحُبُّ امْتِلَاكٌ؟
الْحَقِيقَةُ أَنَّ الْحُبَّ لَا يَعْرِفُ السُّجُونَ، وَلَا يَعْتَرِفُ بِالْقُيُودِ.
فَالشَّخْصُ الَّذِي يُحِبُّ بِصِدْقٍ، لَا يَخْنُقُ مَنْ يُحِبُّ، وَلَا يُحَاصِرُهُ بِالْخَوْفِ وَالشُّكُوكِ، وَلَا يَجْعَلُهُ يَعِيشُ فِي حَالَةِ دِفَاعٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِإِثْبَاتِ بَرَاءَتِهِ.
فَالْإِنْسَانُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَارِسٍ، بِقَدْرِ حَاجَتِهِ إِلَى شَرِيكٍ.
وَالْمُؤْلِمُ أَنَّ الْبَعْضَ يَظُنُّ أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالنَّفْسِ، وَالتَّنَازُلَ عَنِ الْأَصْدِقَاءِ، وَالتَّخَلِّيَ عَنِ الْأَحْلَامِ، وَالِانْصِيَاعَ لِكُلِّ الْأَوَامِرِ، هِيَ ثَمَنٌ طَبِيعِيٌّ لِلْحِفَاظِ عَلَى الْعَلَاقَةِ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ الْحُبَّ الَّذِي يُجْبِرُكَ عَلَى خَسَارَةِ نَفْسِكَ، لَيْسَ حُبًّا صِحِّيًّا، بَلِ اسْتِنْزَافٌ يَرْتَدِي ثَوْبَ الْعِشْقِ.
وَالْأَسْوَأُ مِنْ ذٰلِكَ، أَنَّ التَّمَلُّكَ لَا يُولَدُ دَائِمًا مِنْ كَثْرَةِ الْحُبِّ، بَلْ مِنَ الْخَوْفِ، وَانْعِدَامِ الثِّقَةِ، وَالشُّعُورِ بِالنَّقْصِ.
فَالْبَعْضُ لَا يَبْحَثُونَ عَنْ شَرِيكِ حَيَاةٍ، بَلْ عَنْ شَخْصٍ يَمْتَلِكُونَهُ، يَتَحَكَّمُونَ فِي قَرَارَاتِهِ، وَيُحَدِّدُونَ لَهُ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ يَكْرَهُ، وَكَيْفَ يَعِيشُ وَمَاذَا يَفْعَلُ.
وَهُنَا يَفْقِدُ الْحُبُّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ.
فَالْحُبُّ لَيْسَ أَنْ تَسْجُنَ قَلْبًا كَيْ يَبْقَى مَعَكَ، لِأَنَّ الْقُلُوبَ الَّتِي تَبْقَى بِالْإِجْبَارِ، تَرْحَلُ وَإِنْ ظَلَّتِ الْأَجْسَادُ حَاضِرَةً.
الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ لَا يَخَافُ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَلَا يَرْتَعِبُ مِنَ الْمَسَافَاتِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قُيُودٍ حَتَّى يَطْمَئِنَّ.
إِنَّهُ عَلاقَةٌ تَقُومُ عَلَى الثِّقَةِ، وَالِاحْتِرَامِ، وَالِاخْتِيَارِ الْمُتَجَدِّدِ كُلَّ يَوْمٍ.
وَفِي النِّهَايَةِ…
حِينَ تَشْعُرُ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ نَفْسِكَ كَيْ لَا تَخْسَرَ مَنْ تُحِبُّ، وَحِينَ تُصْبِحُ خَائِفًا أَكْثَرَ مِمَّا أَنْتَ مُطْمَئِنٌّ، وَحِينَ تَتَحَوَّلُ الْعَلَاقَةُ إِلَى عِبْءٍ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلَاذًا…
فَاعْلَمْ أَنَّ الْحُبَّ تَوَقَّفَ عِنْدَ مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ…
وَأَنَّ التَّمَلُّكَ بَدَأَ يَبْنِي سِجْنَهُ الْخَاصَّ








