سياسة و اقتصادمقالات

تحالف المذبح: هل تبتلع تل أبيب هيبة “العم سام”؟. بقلم: عبير مدين

 

تحالف المذبح: هل تبتلع تل أبيب هيبة “العم سام”؟

 

بقلم: عبير مدين

(كاتبة سياسية وروائية)

تتعدد أصناف العلاقات البشرية والسياسية في هذا العالم، وتتباين تسمياتها، لكن التاريخ لم يشهد علاقة ملتبسة، مكشوفة، ومتخمة بالتناقضات مثل تلك التي تربط الكيان الصهيوني ببلاد “العم سام”. إنها علاقة لم يعد يديرها اللوبي الصهيوني من خلف الستار أو “من الباطن”، بل باتت تُمارس في وضح النهار وأمام شاشات التلفزيون. فلم يعد سراً على عاقل يعلم القاصي والداني حتى الجنين في بطن أمه حجم الدعم الوجودي الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل؛ ذلك الكيان الذي وُلد مشوهاً من رحم “تصريح بلفور” المشؤوم، لتبدأ من يومها رحلة استنزاف القوة العظمى لحساب ربيبتها.

لقد دفعت الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا من رصيد هيبتها الدولية ومكانتها الأخلاقية، وهي تنساق صاغرة خلف مغامرات بنيامين نتنياهو التصعيدية في غزة ولبنان وسوريا، ومؤخراً في المواجهة المباشرة مع إيران. تحركات متهورة تصب كلها في مجرى واحد: محاولة فرض واقع “إسرائيل الكبرى” وتوسيع نفوذها الإقليمي.

لكن واشنطن استفاقت متأخرة لتجد أقدامها تنزلق في مستنقع موحل. لقد دخلت المعركة تحت شعار زائف هو “تقليم أظافر نظام الملالي” تمهيداً لإسقاطه عبر ثورة داخلية تغذيها الضربات العسكرية المشتركة. إلا أن الصدمة الاستراتيجية تجلت في طبيعة الشعوب؛ فبدلاً من أن يسارع الشعب الإيراني إلى التمرد، استشعر الخطر الخارجي وارتد إلى الداخل، متمسكاً بالنظام الحاكم في تواءة دراماتيكية غير متوقعة.

وتتوالى الصدمات الدولية؛ فمع غياب “خامنئي الأب” وصعود “خامنئي الابن” محملاً بدوافع الثأر والانتقام لعائلته من التحالف الصهيو-أمريكي، تفاجأ العالم بمنح مجتبى خامنئي الضوء الأخضر للرئيس مسعود بزشكيان لإبرام اتفاق تسوية مع الولايات المتحدة. هذا الاتفاق التاريخي المحتمل هو الكابوس الذي تحاول إسرائيل تقويضه بكل ما أوتيت من قوة؛ لأنه يمثل في نظرها خطراً وجودياً يؤجل مشروعها التوسعي، ويضعها أمام خيار “الحرب الوقائية اليائسة”. وهذا تحديداً ما دفع نتنياهو للخروج غاضباً ومطالباً بالتحرر من “التبعية للأمريكيين”، في مفارقة ساخرة تثير التساؤل: مَن التابع ومَن المتبوع في هذه المعادلة؟

إن أمريكا اليوم تبدو وكأنها تُقاد برغبة جماعات الضغط لخدمة أحلام تل أبيب، حتى لو كان الثمن الزج بالجنود الأمريكيين في أتون حرب إقليمية لا يعلم عواقبها إلا الله. لقد غرقت الهيبة الأمريكية في مضيق هرمز، وباتت واشنطن تبحث عن أي نصر عسكري زائف على الأراضي الإيرانية؛ نصرٍ يبرر خسائرها المعنوية التي تسبب فيها دونالد ترامب، الذي وجدته إسرائيل صيداً سهلاً بعد فضائحه المتتالية، فقدم الولايات المتحدة كقربان على مذبح السياسة الإسرائيلية لنيل الرضا المطلق.

اليوم، تقف المنطقة على حافة الهاوية. قد تقبل إسرائيل بالمخاطرة القصوى وتشن ضربة أحادية الجانب للمنشآت الإيرانية دون ضوء أخضر من البيت الأبيض، الأمر الذي قد يضع حداً لشهر العسل الطويل بين واشنطن وتل أبيب، ويدفع بالشرق الأوسط نحو حرب إقليمية شاملة لن تتدخل فيها واشنطن إلا لحماية مصالحها الذاتية المباشرة.

فهل تحمل الأيام القادمة شهادة وفاة هذه “العلاقة غير المتكافئة”، أم أن إسرائيل ستنجح في تفخيخ المفاوضات وجرّ “العم سام” من قدمه ليغوص في مستنقع حرب إقليمية كبرى… قد تكون هي النواة الحقيقية للحرب العالمية الثالثة؟

سؤال تجيب عنه الأيام القادمة

زر الذهاب إلى الأعلى